والجمع مأخوذ من جمع الهمة على الحق تعالى والتفرقة مأخوذة من تفرقته في الكائنات مع الحق والجامع والمفرق في الحقيقة هو اللّه تعالى . ( وكان الأستاذ أبو علي الدقاق رحمه اللّه يقول : الفرق ما نسب إليك والجمع ما سلب عنك ، ومعناه أن
شرح
( قوله : مأخوذ من جمع الهمة على الحق تعالى ) أي بسبب استغراقه وغيبته فيه وفنائه عمن سواه ، ومع ذلك فجميع حواسه ثابتة متحققة له ، وإنما لا إحساس لها بغير الحق ، فصاحب هذا المقام دائم المراقبات مغمور بالرحمات ، رضيع ثدي المشاهدات بإشراق أنوار التجليات ، واللّه أعلم . ( قوله : مأخوذة من تفرقته الخ ) أي بسبب شهوده للكائنات قولا وفعلا حسبما ظهر من علم الشريعة ، فهو يدور مع الحق كيفما دار ، وهذا مقام شريف قل من دام عليه على استقامته وذلك لصعوبته على كثير من الخلق إذا علمت ذلك تعلم أن المفرق ليس هو من شغلته الكائنات عما للحق من الحقوق بشاهد حكم الشريعة لأنه مبعد عن الرحمات ، واقع في الهلكات أعاذنا اللّه من ذلك .
( قوله : والجامع والمفرق في الحقيقة هو اللّه الخ ) من ذلك تعلم أن حقيقة الجمع تحصل للعبد بشهود الحق تعالى في حضرة وحدته ، وأنّ الأكوان بأسرها صادرة منه وإليه عائدة ، ولا يتم له ذلك إلا إذا تخلص من الكثرة وقيد الوثاق حتى تضمحل ذاته ، ويغنى صفاته ويبقى حقا بلا خلق فيشاهد حينئذ نفسه بالصفات التي تحجب بها عنه وأنه هو المحبوب بعينه لا محالة ، وأن الذي أحاله على معرفته هو هو ، فهو المحيل وهو المحال ، وإنّ هيمانه في طلبه عليه إنما كان به ومنه وإليه ، فإذا وصل المحقق إلى الجمع المطلق صار غيبا في الذات الأحدية فصارت تلك العين عينه وصفاتها صفاته ، وبها تحجب عنه كما بها شاهد عينه وذاته وتبين أنّ المحب هو المحبوب ، ثم إذا تحقق بالفرق ، فيرجع إلى مشاهدة الخلق الجديد بعد الاستهلاك في المبدىء المعيد ، واللّه أعلم .
( قوله : الفرق ما نسب إليك ) أي من الأقوال والأفعال فضلا من اللّه ورحمة وإلّا فالنسب والإضافات لا حقيقة لها في خارج الأعيان فمن شهد أفعال نفسه فقد تفرق ، ومن غاب عنها فقد تحقق ، وقد أشار إليه عارف زمانه وعاشق أوانه حيث قال :حليف غرام أنت لكن بنفسه * وأبقاك وصفا منك بعض أدلتي
فلم تهوني ما لم تكن فيّ فانيا * ولم تفن ما لم تجتلي فيك صورتيفهو يريد أن المحب وإن لازمه الغرام ، ولم يفن عن نفسه فيما أحبه من نعوت محبوبه فهو مغرم بنفسه لا بمحبوبه مع أنه قد قيل ما توقف لك مطلب أنت طالبه بربك ، ولا تيسر لك مطلب أنت طالبه بنفسك ، وأشار إلى مقام الغيبة عما للحق استغراقا فيه حيث يقول :لها صلواتي بالمقام أقيمها * وأشهد فيها أنها لي صلت