شرح
ليس لي عنهم خبر ولا عن نفسي ، فقد أشار كل منهما إلى حقيقة الحضور مع اللّه تعالى ، فإن كل جمال وكمال منوط بالحضور مع اللّه ، وطريقه ليس إلا الغيبة عمن سواه ، وبسبب ذلك قد يجري على ألسنة المحبين في حالة الغلبة عليهم أنهم الحق على معنى أنهم متحققون به فانون فيه أو يصدر على سبيل الحكاية عن الحق غلبة عليهم كذلك كما أسلفنا ، غير أن مشايخ الطريق أجمعوا على أنه لا يجوز الاقتداء إلا بمستقيم قد تخلص من دوران الأحوال بوصوله إلى درجة التمكين التي هي شرط في صحة الإرشاد لأن مرتبة الإرشاد آخر مراتب البقاء الحقيقي بعد تعدي جميع مراتب الفناء فقام الإرشاد أعلى مراتب القرب لأن المقرب قد يكون في مقام التلوين مع أن مرتبة القرب الخاص موقوفة على فناء سائر أوصاف البشرية الجسمانية والروحانية في النشأة الدنيوية والأخروية ، وأول درجات القرب الخاص الولاية الخاصة لأن الولي هو الفاني في حاله الباقي في مشاهدة الحق جل جلاله ، ويشير إلى هذا المعنى قوله صلى اللّه عليه وسلم : « قال اللّه على لسان عبده : سمع اللّه لمن حمده » وفيه سر دقيق ، وهو أن الحمد هنا بمعنى الشكر والشكر درجات الأولى الشكر على المحاب ، والثانية الشكر على المكاره وذلك فيمن استوت عنده الحالات ، والثالثة أن لا يشهد غير المنعم عبودية فيستعظم منه النعم أو محبة فيستحلي منه الشدة ، ولا يكون ذلك إلا بعد الفناء عن الوجودات السوائية المجازية لأنه ما بقي له رمق من الوجود فما أدّى حق الشكر لأنه حينئذ ما أخرج نفسه من التشريك في صفة الوجود مع الحق تعالى ، وذلك ذنب لا يقاس به ذنب ، ويؤيد ذلك ما قيل في بيان الشكر من أنه صرف العبد جميع ما أنعم اللّه عليه به ، فيما خلق لأجله ، ومن ذلك الوجود المجازي له ، والحاصل أن مقام حقيقة الشكر يحصل للعبد إذا تجلت عليه الذات الأحدية بصفة الفردانية باقية بالبقاء الأبدي والدوام السرمدي ، فيصير الحق تعالى خليتة عن العبد الفاني فيه في مقام الحمد الحقيقي ، فيسمع ويبصر نيابة عنه فيكون معنى قوله : « سمع اللّه لمن حمده » أن اللّه تعالى يقول بلسان العبد الواصل إلى هذه الدرجة إنه فني العبد فيّ وصار عدما فأنا أسمع لأجله ونيابة عنه ، فاللام في قوله لمن حمده بمعنى لأجل وليست صلة السمع لأن المسموع لا يكون الذوات نعم لو أبدل من بما كانت اللام صلة السمع ، ومن لم يفهم السر أشكل عليه الكلام ، ولذا قال بعضهم : سمع بمعنى قبل وقال آخر : من بمعنى ما وآخر المضاف مقدر أي لقول من حمد ، وكل ذلك خلاف الظاهر فافهم ، ثم ويدل لتمام الفناء في هذا المقام وقيام الحق عن الفاني بالخلافة قوله صلى اللّه عليه وسلم حاكيا عن اللّه تعالى : « من ابتليته قبلته ، ومن قبلته قتلته ومن قتلته فعلي ديته ومن علي ديته فأنا ديته » وقول الجنيد قدس اللّه سره من كان في اللّه تلفه كان اللّه خلفه ، فتحصل أن مقام الجمع لا يتم إلا بمقام الفناء عن الأكوان بأسرها ، وعن الشعور بالنفس لأنه ما بقي رمق ما صح