شرح
التوحيد على سبيل الجمع ألا ترى لو فرضنا أن شخصين في دار واحدة قال أحدهمها للآخر : ما في الدار إلا أنت لكان في الحقيقة وجود القائل مكذبا لقوله لأن وجوده أيضا في الدار فإن قلت أن ذلك قد يؤدّي إلى المضي على مذهب السوفسطائية ، أو الوجودية القائلين بالاتحاد وكلا المذهبين ضلال وباطل قلنا لا يلزم ذلك ، بل اللازم الإشارة إلى أن الموجودات الكونية عكس من عكوسات نور وجوده تعالى تصور ذلك العكس بصور الماهيات الممكنة التي لها تعين ووجود في العلم القديم لأن نور الوجود القديم انعكس أولا على الأعيان الثابتة العلمية ، ومنها على الماهيات الإمكانية ، ومنها على الموجودات الكونية في العالم العين كل في وقت ومحل بحسب تعلق القدرة والإرادة واقتضاء الحكمة ، فتكون هذه الوجودات العينية عكس عكس عكس نور الوجود القديم مستعارات من المستعار من المستعار ، فهي باقية ما لم يتجل صاحبه ، وإلّا فترجع المعكوسات كلها إليه وتنخلع عن صورها ويظهر سر وإليه المرجع والمآب ، وكُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ[ الأنبياء : 93 ] ، فتبطل جميع الوجودات الكونية حينئذ ، وما يبقى إلا الوجود الحق منفردا بذاته قائلالِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ[ غافر : 16 ] فبإثبات الوجود المستعار خرج الموحد عن مذهب السوفسطائية وينفي الوجود الحقيقي عن الممكنات خرج عن مذهب الوجودي المتزندق حيث يقول الأول إنّ العالم خيالات وأوهام ، ويقول الثاني إن وجود الممكن والواجب شيء واحد في نفس الأمر وتعدده ظاهري بالنظر إلى التعينات فقد مزجوا مذهبهم بالسوفسطائية حيث قالوا التعينات سراب وموهومات ليتم مقصودهم لأن ذلك التعين إذا كان محققا عندهم في الواقع ، فإن كان غير الوجود القديم لزم التعدد في الوجود ، وإن كان عينه لزم أن يكون الوجود الواحد متعينا بتعينات غير متناهية في نفس الأمر ، والوجود عندهم غير متعين في نفسه ، بل تعينه في الكون فقط ، ثم نقول إن حال هاتين الطائفتين مع ما هم عليه من الضلال ، ونقصان الكشف خير من الدهرية حيث نفوا الصانع بوقوفهم مع الهياكل والصور الحادثة ، فعماهم اشدّ نعم الوجودية قد قالوا بقدم العالم كالحكيم ، وبنفي الصانع من وجه كالدهرية فمذهبهم قبحهم اللّه مركب من مذاهب ثلاثة سوى بدعتهم السوفسطائية والدهرية والحكيم ، ثم اعلم أن معنى التفرقة على حسب معنى الجمع فأدناها شهود الخلق مع الغفلة عن الملك الحق وأعلاها شهود الخلق بالحق ، واعلم أن صاحب هذه الرسالة قد مشى على إثبات مقام يقال له جمع الجمع ، وهو يرجع إلى ما قلناه في الجمع فلهم طرق متعددة لا ينافي بعضها بعضا إلّا بالإجمال والتفصيل ، واعلم أن هناك حالة تسمى الفرق الثاني ، وهي عزيزة وحقيقتها أن يرد العبد إلى الصحو وقت أداء الفرض ليجري عليه القيام به في وقته ، فيكون رجوعا للّه باللّه لا للعبد بالعبد فالعبد في هذه الحالة يطالع في تصريف الحق ، والحاصل أن مقام الجمع