أي الكأس التي فيها الخمرة ( فأنبت الدر في أرض من الذهب * وسبح القوم لما أن رأوا عجبا * نورا من الماء في نار من العنب ) شبه الخمرة من حيث تأثيرها بالنار ومن حيث صفاؤها الحاصل من الماء أي : عصير العنب بالنور ( سلافة ) بالفاء أي ؛ خمرة ( ورثتها عاد عن أرم * وكانت ذخيرة كبرى عن أب فأب ) قيل لا حاجة للتشبيه بما قاله من ذكر الوصف للخمر ، وكمال وصفها وانها مدخرة أبا عن أب ، بل لو تركه كان أولى لكنه إنما قصد به لطافة ما وجده من حاله ، وحسن ما يشاهده وكمال نوره في محله . ( وقيل لأبي بكر الدقي : إن جهما الدقي أخذ شجرة بيده في حال السماع في ثورانه فقلعها من أصلها فاجتمعا في دعوة ) أي : وليمة ( وكان الدقي ) قد ( كف بصره فقام جهم الدقي يدور في حال هيجانه ) وربما وجد في نفسه استحسانا
شرح
الجماعة الإله الحق حيث هو الموجد لكل شيء ، وقوله : لما أن رأوا عجبا أي أمرا عجيبا ، والعجب يكون مما خفى سببه وقوله نورا من الماء لصفاته في نار من العنب وذلك هو محل العجب حيث اجتمع نور ونار في شيء واحد ، فهو يريد تشبيه الصفاء الذي في الخمرة باعتبار ما فيها من الماء بالنور بجامع الإضاءة في كل ، وتشبيه تأثير الخمرة في الطرب بالنار بجامع مطلق التأثير ، وقوله : سلافة أي خمرة إذ السلافة من أسماء الخمرة ، ورثتها عاد من أرم اسم لقبيلتين كانت أي تلك الخمرة ذخيرة أي مدخرة ، ولا يخفى أنّ الذخيرة ما يدخر من نفيس الأشياء ، وقوله : كسرى أي ملك الفرس عن أب فأب بيان للموروث عنهم ، وتحقيق ما ذكر عند من له اطلاع على فن البيان يكفي عن لقلقة اللسان . هذا ، ولما كان المراد هنا أن اللذة الحاصلة لقلوب أرباب الهمم السائرين إلى اللّه تعالى بما يرد على أسرارهم من واردات الحق ، وبروق أنوار الصدق التي هي ثمرات أوراقهم المتلقاة من كابر فكابر إلى أن تصل إلى سيد الكمال صلى اللّه عليه وسلم تشبه ما حكي في هذا الشعر اللطيف ، بل يكون ذلك من إلحاق القوي بالضعيف ، والشريف بالخسيس ، والعلي بالدني المنحوس قد شبه ذلك بما تقدّم على جهة التمثيل والتقريب للعقول القاصرة وإلا فلا نسبة ولا مناسبة كما لا يخفى على ذي بصيرة منوّرة بنور الحق ، مؤيدة بمتابعة الصدق ، واللّه أعلم . ( قوله : قيل لا حاجة للتشبيه بما قاله الخ ) أي لما في التشبيه من إيهام أرباب العقول القاصرة إنّ الخمرة لها نسبة في المدح ، ووجه من اللذة واعتبار في المنافع مع أن الأمر ليس كذلك ، وإنما جميع ذلك ثابت لخمرة الأذواق لا غير واللّه أعلم . ( قوله : وقيل لأبي بكر الخ ) أقول الغرض من ذكر هذه القصة التنبيه على سلوك طريق الأدب دائما مع الحق ، ومع الخلق حيث المنعم خزائنه ملأى وإحساناته لا تستقصى إذ ما من حال ولا مقام إلا وعنده تعالى أعظم منه يختص برحمته من يشاء .
( قوله : وربما وجد في نفسه استحسانا الخ ) أي فما فعله معه الدقي يرجع إلى التأديب والحمل على أكمل الأحوال فلا يقال أنه لإظهار نقصه ، وهو لا ينبغي لمثله ويدل