اليوم سبعين مرّة ) وفي رواية أكثر من سبعين مرّة وفي رواية أكثر من مائة مرة ( أنه كان عليه السلام أبدا في الترقي من أحواله ) إلى أحوال أخر ( فإذا ارتقى من حالة إلى حالة أعلى مما كان فيها ، فربما حصل له ملاحظة ) وهو في حالته التي ارتقى إليها ( إلى ما ارتقى ) أي : حالته التي ارتقى ( عنها فكان بعدها غينا ) أي : سترا رقيقا يعني تغطية لقلبه ( بالإضافة إلى ما ) أي : حالته التي ( حصل فيها ) فاستغفر اللّه سبعين مرّة فقال :
أستغفر اللّه وأتوب إليه ، وقيل : قال ذلك على جهة التعليم لأمته لغلبة الخطأ عليهم وقيل : إنه كان كلما ذكر أمته ، وما يكون منهم بعده استغفر اللّه لهم وقيل : إن الإغانة حالة غشية وإعظام تغشى قلبه ، فيستغفر حينئذ شكرا للّه وملازمة للعبودية كما قال في ملازمة العبادة : « أفلا أكون عبدا شكورا » . ( فأبدا كانت أحواله ) صلى اللّه عليه وسلم ( في التزايد ) والترقي ( ومقدورات الحق سبحانه ) وتعالى ( من الألطاف لا نهاية لها ، فإذا كان حق الحق تعالى العز ) أي : الرفعة ( وكان الوصول إليه بالتحقيق محالا فالعبد أبدا في ارتقاء أحواله فلا معنى ) أي : حالا ( يوصل إليه إلا وفي مقدوره سبحانه ) وتعالى ( ما
شرح
اعلم أنّ النبوّة على قسمين نبوّة تعريف ونبوّة تشريف ، فالأولى هي الإنباء عن معرفة الذات والأسماء والصفات ، والثانية جميع ذلك مع تبليغ الأحكام والتأديب بالأخلاق والتعليم بالحكمة والقيام بالسياسة ، فما ذكر هنا من الغين فمن مجالي الثانية .
( قوله : أبدا في الترقي ) أي ويؤيده ما نقل عن ابن عباس رضي اللّه عنهما في معنى قوله تعالى :وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى[ الضحى : 4 ] من أنّ المعنى وللحظة المتأخرة خير لك من اللحظة المتقدمة أي من حيث ما يحصل لك فيها من الترقي ، فهو صلى اللّه عليه وسلم ، وإن كان كاملا في ذاته غير أن الكامل يقبل الكمال كما هو غنيّ عن البيان . ( قوله : فكان يعدّها غينا ) أقول لما كان صلى اللّه عليه وسلم مظهر أسمائه تعالى ومجلاها ومن جملتها جبار وقهار ومنتقم وأمثالها ، فيحتمل أنه غلب عليه صلى اللّه عليه وسلم تجليها في مشهد العبودية فأثبت لذاته الشريفة غينا واسعة مزمنة ، أو هو لا يقتضي نقصا ، بل ذلك من الكمال الأنفس واللّه أعلم .
( قوله : بالإضافة ) أي بالنسبة إلى حالته التي حصل فيها أي التي تحققت له ولابسها ، وهذا كما ترى لا ينافي أن الحالة الأولى من درجات الكمال العلية . ( قوله :
وقيل قال ذلك على جهة التعليم لأمته ) أي ولو الكاملين منهم إذ لا يخلو الإنسان عن تقصير في حقه سبحانه وتعالى كما يشير إليه خبر : « سبحانك ما عبدناك حق عبادتك » .
( قوله : وقيل إنه كان كلما ذكر أمته الخ ) أقول هو في غاية الوجاهة وصحة المعنى في طريق الأدب معه صلى اللّه عليه وسلم . ( قوله : وقيل إن الإغانة حالة خشية وإعظام الخ ) أي ومنشأ ذلك نوع من تجلي الجلال المناسب لعبوديته صلى اللّه عليه وسلم . ( قوله : ومقدورات الحق الخ ) كالدليل لما قبله من دوام التزايد له ، وكذا يكون الحال لغيره من خواص أمته واللّه أعلم .