تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
يصح له التوكل ) أي : من اشتغل بمقام القناعة ، ولم يحكمه لا يصح منه أن يرتقي إلى مقام التوكل ، ولكل مقام بدء ونهاية وبينهما أحوال متفاوتة مثاله في مقام الخوف من اللّه مثلا أن يبدأ بترك الكبائر خوفا من اللّه فإذا ارتقى عن ذلك ترك الصغائر أيضا ، ثم المكروهات ، ثم الشبه ثم التوسع في الحلال إلى أن ينتهي إلى ترك كل ما يشغله عن اللّه ، ( ومن لا توكل له لا يصح له التسليم ، وكذلك من لا توبة له لا تصح له الإنابة ومن لا ورع له لا يصح له الزهد ) وسيأتي بيان هذه الألفاظ ( والمقام ) بضم الميم ( هو الإقامة ) كما مرّ ( كالمدخل بمعنى الإدخال والمخرج بمعنى الإخراج ) قال تعالى :
وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ
[ الإسراء : 80 ] أي : أدخلني المدينة إدخالا مرضيا لا أرى فيه ما أكرهه ، وأخرجني من مكة إخراجا ألتفت بقلبي إليها . ( ولا يصح لأحد منازلة مقام ) أي : نزوله فيه بأن يشتغل بما يتوصل به إليه ( إلا
شرح
يوضح ما ذكرناه لأن تفويض الأمر لمن له الأمر لا يكون إلّا بعد الرضا بما قسمه للعبد وعدم تشوّفه إلى زائد عنه . ( قوله : ولكل مقام بدء ) أي ابتداء وله غاية أيضا توصل إلى أعلى منه فأوّل مقام في الخوف ترك الكبائر ، ثم الصغائر ، ثم المكروهات ، ثم ما فيه شبهة وذلك أول مقام في الورع ، ثم ترك التوسع في الحلال ، وهو أول مقام الزهد ، وينتهي إلى ترك كل ما يشغل عن الحق تعالى ، ثم بعد ذلك مقام التوكل ، ثم الرضا بما يجري به القضاء لايم النفس أم لم يلايمها واللّه أعلم . ( قوله : مثاله في مقام الخوف ) أي لا مطلق نوع منه إذ هو مختلف باختلاف حال الخائف قربا وبعدا منه تعالى . ( قوله : لا يصح له التسليم ) أي لأنه سكون القلب وطمأنينته لما يجري به القضاء ، ولا يتم إلّا بعد التفويض لمن له الأمر كله . ( قوله : لا تصح له الإنابة ) أي لأنها إنما تنشأ عن التوبة . ( قوله : لا يصح له الزهد ) أي لأنه لا يتم معناه إلا بالإعراض عن جميع الحظوظ ، وذلك لا يتحقق إلا بالبعد عما فيه شبهة . ( قوله : ولا يصح لأحد منازلة مقام الخ ) أي فلا بدّ للعامل أوّلا من عرض أعماله على أحكام الشريعة ، فما وافق دام عليه ، وإلا رجع عنه فتلزم المتابعة لسيد الكائنات في كل ما يتوصل به من الأعمال إلى نيل هذا المقام ، ثم بعد ذلك لا بدّ له من شهود رضائه تعالى بأنه سبحانه وتعالى المتفضل عليه بالتوفيق فيما صار إليه وما سيصير له . ( قوله : بالتزام الطاعات الخ ) أقول إنما كان أمره نفعنا اللّه به بالتزام الطاعات لأن مبادي النهايات هي فروض العبادات كالصلاة والصوم ، والزكاة ، والحج ، وذلك لأنها نهاية الصلاة كمال القرب ونهاية الصوم الإمساك عن الرسوم الخلقية ، ونهاية الزكاة بذل ما سوى اللّه لخلوص محبة اللّه ، ونهاية الحج الوصول إلى المعرفة ، والتحقق بالبقاء بعد الفناء لأن