بيان ( مما يتوصل إليه بنوع تصرّف ويتحقق ) أي : يتصف ( به بضرب تطلب ومقاساة تكلف ) فالمقام ما ينال بتكسب وتطلب أي : مع الموهبة إلى أن يكمل العبد فيه بخلاف الحال كما سيأتي ، وقوله مما الخ بيان للآداب ( فمقام كل أحد ) بالضم وبالفتح ( موضع إقامته ) وقيامه ( عند ذلك ) أي : عند اكتسابه ما يوصله إليه ( وما هو مشتغل بالرياضة له ) عطف تفسير على موضع إقامته عند ذلك ( وشرطه ) أي المشتغل بمقامه ( أن لا ) يتشوّف إلى أن ( يرتقي من مقام إلى مقام آخر ) أرفع منه ( ما لم يستوف أحكام ذلك المقام ) لأن اشتغاله بالأرفع يشغله عما هو فيه ( فإن من لا قناعة له لا
شرح
ما ينال بتكسب الخ ) أي فالمقام منزلة ودرجة لا يصلها العبد إلا بدوام العبادة مع الإخلاص ، وحسن المراقبة . ( قوله : فقام كل أحد موضع إقامته ) قال أبو حامد الغزالي رحمه اللّه تعالى : لا بدّ لكل مقام من علم وعمل وحال ، فالمقام يثمر علما ، والعمل يثمر حالا لأن حركات الأجسام تابعة لحركات القلوب وحركات القلوب جارية بحركات الأجسام ( أقول ) ثم مدار الأعمال على الذكر وحسنه بالحضور فيه ، ومع ذلك ، فربما وجد وربما فقد فلا يترك الذكر في حالة الغفلة ، بل يدوم على الذكر مطلقا فعسى أن تسعفه العناية قال صلى اللّه عليه وسلم للذي استوصاه « لا يزال لسانك رطبا بذكر اللّه » « 1 » لم يدله إلا على ذكر اللسان ، وذلك لأنه مقدور الإنسان .
( قوله : فقام كل أحد الخ ) أقول لعل أوّل المقامات الكاملة الانخلاع عن العادات والمألوفات ، وذلك هو التحقق بالعبودية موافقة لأمر الحق بحيث لا تدعوه داعية إلى مقتضى طبعه وعادته واللّه أعلم . ( قوله : فقام كل أحد الخ ) أقول فلا ينبغي لذي المقام أن يفتر عند عروض الغفلة في حالة ذكره مثلا لأن الذكر لا يتقيد بحالة حضور ولا غفلة ، على أن في وجود الذكر مع الغفلة إقبالا بوجه ما والغفلة عنه إعراض بالكلية ، وفيه تزيين جارحة اللسان بالعبادة ، وفيه تعرض لنفحات رحمة اللّه فعسى أن يرفعه إلى ما هو أعلى من ذكره .
( قوله : موضع إقامته ) محصله أن مقام العبد ما وفقه اللّه له من أنواع الطاعة وشغل قلبه به في الوقت والساعة . ( قوله : أن لا يتشوّف ) أي لا يتطلع إلى غير ما هو فيه إلى أن يرتقي الخ . ( قوله : ما لم يستوف الخ ) أي مدّة عدم استيفائه أحكام ذلك المقام أي بل يثبت فيما أقامه اللّه فيه حتى يتم له التحقق بكامل ما فيه من الأحكام . ( قوله : لأن اشتغاله بالأرفع يشغله مما هو فيه ) أي وذلك يؤدّي إلى فوات المقامين الرفيع والأرفع حيث الأوّل سلم للثاني ودرجة توصل إليه ، وقوله : فإن من لا قناعة له لا يصح له التوكل
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي ( دعوات 4 ) وأحمد بن حنبل ( 4 / 188 ، 190 ) .