نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 42
بأنه مبرد بمعنى أنه لا يستغرق العبد حتى يغيب عن إحساسه ، بل لا بدّ أن يدرك ما هو فيه من غلبة حال أو عمارة أو تصريف من الحق ، ولو استغرق لم يسموه وقتا . ومن ذلك المقام هو بفتح الميم موضع القيام وبضمها موضع الإقامة ، وقد قرىء بهما قوله تعالى : لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا [ الأحزاب : 13 ] قال الجوهري وقد يكون كل منهما بمعنى الإقامة وبمعنى موضع القيام ( والمقام ) بلغتيه عند القوم ( ما يتحقق ) أي : يتصف ( به العبد بمنازلته ) أي : بنزوله فيه وانتقاله إليه باكتسابه له ( من الآداب ) إلّا بعد موت النفس عن هواها حتى يحيا القلب ، وينصرف بالطبع والمحبة الأصلية إلى عالمه عالم القدس ، والنور ، والحياة الأصلية الذاتية التي لا تقبل الموت أصلا قال تعالى : فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [ البقرة : 54 ] فقد أشار إلى أن من تاب فقد أمات نفسه وللإشارة بخبر : « رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر » وخبر : « المجاهد من جاهد نفسه » . تنبيه اعلم أن المضاهاة بين الحضرات والأكوان ، تتحقق بوجه انتساب الأكوان إلى الحضرات الثلاثة أعني حضرة الوجوب وحضرة الإمكان وحضرة الجمع بينهما فكل ما كان من الأكوان نسبته إلى الوجوب أقوى كان أشرف وأعلى ، فيكون حقيقة علوية روحية ، أو ملكية أو بسيطة فلكية ، وكل ما كان نسبته إلى الإسكان أقوى كان أخس وأدنى ، فكان حقيقة إنسانية ، وكل إنسان كان إلى الإمكان أميل وكانت أحكام الكثرة الإمكانية فيه أغلب كان من الكفار ، وكل ما كان إلى الوجوب أميل وأحكام الوجوب فيه أغلب كان من السابقين الأنبياء والأولياء ، وكل من تساوى فيه الجهتان كان مقتصدا من المؤمنين ، فبحسب اختلاف الميل إلى إحدى الجهتين اختلف المؤمنون في قوّة الإيمان وضعفه ، فتدبره وغض عليه بالنواجذ فإنه من الأسرار التي لا يعلمها خلاف الأبرار . [ ومن ذلك المقام ] ( قوله : والمقام ما يتحقق به العبد ) أي ما يصير بالتعمل والتكلف وصفا للعبد باعتبار انتقاله إليه ومنه إلى الأعلى بإشارات وإلهامات إلهية وتحققه له إنما يكون بالجد مع التفرغ وإخلاص المقاصد في الآداب المحمدية والأخلاق الأحمدية ، ومثل هذا لا يتم لعبد ما بقيت لنفسه بقية ، والحاصل أن المقام نعت للعبد يتجدّد له من العمل بالآداب الشرعية التي لا تتم إلا بالتطلب والتصرّف والتكلف مع مساعدة الهداية بالهبات الإلهية . ( قوله : من الآداب ) أي إنما يكون اكتساب العبد للمقام بعمله بالآداب المحمدية والطريقة الأحمدية وقوله : مما يتوصل إليه الخ بيان ، وإيضاح لقوله من الآداب . ( قوله :