أكمل وجوهها أي : لم يأمرهم بشيء من ذلك . ( ومن ذلك الحال . والحال عند القوم معنى يرد على القلب من غير تعمد منهم ولا اجتلاب ) وعطف على ذلك عطف تفسير قوله ( ولا اكتساب لهم من طرب أو حزب ) بكسر الحاء وإسكان الزاي أي : ورد وفي نسخة أو حزن ( أو بسط أو قبض أو شوق أو انزعاج أو هيبة أو اهتياج ) أي : ثوران ولو بلا طرب ( فالأحوال مواهب ) ترقى إلى المقامات ( والمقامات مكاسب ) بمواهب لأنها إنما تنال بالكسب مع الموهبة كما مرّ .
شرح
أكمل وجوهها على ما لا يخفى على ذائق . ( قوله : الحال الخ ) أي فهي ما يرد على القلب بمحض الموهبة من غير تعمد ولا اجتلاب من حزن أو خوف أو بسط أو قبض أو شوق أو ذوق ، ثم يزول بصفات النفس سواء يعقبه المثل أو لا ، فإذا توالت ودامت الأمثال فصارت ملكة كان ذلك مقاما ، واعلم أن الحال بداية والمقام نهاية والحال ما يتحوّل ، والمقام ما لا يتبدّل ، والحال له انصرام ، والمقام له الدوام ، وقد يطلق المقام على ما ليس بمحمود كما تطلق الدركة على الدرجة ، ومثله يقال في الحال ، فقس على هذا المنوال .
( قوله : معنى يرد على القلب الخ ) محصله أنها واردات الهية ترد على قلوب العارفين بواسطة تنوير قلوبهم الناشئ عن دوام الجدّ والاجتهاد في العبادة مع الإخلاص ، والمراقبة ، ولكن لا كسب للعبد فيها ، وإنما هي مدارج للمطالب من رفيع المقامات مع أن مبنى الأمر على الحال لا القال ، فارحل من أوحال القال إلى أوطان الحال وقدم بين يدي نجواك صدقة صدق عزم وتقوى لا زخرف قول ودعوى .
( قوله : من غير تعمد منهم ) أي ولذا قال أبو محمد عبد القادر الكيلاني رحمه اللّه الوارد الإلهي لا يرد باستدعاء ولا يذهب بسبب ، ولا يأتي على نمط واحد ولا في وقت واحد ، والطارق الشيطاني بخلاف ذلك فتدبر . ( قوله : ولا اجتلاب ) أي وإنما هي المواهب الفائضة على العبد من ربه إما ميراثا للعمل الصالح ، أو امتنانا محضا . ( قوله :
ولا اكتساب لهم الخ ) أي لأن التنزلات العرفانية على القلوب القدسية لا ترد إلا فجأة دون روية واستعداد وتوقيت وقد ترد عن استعداد ، وذلك أقل القليل ، بل يكاد أن يكون معدوما . ( قوله : من طرب الخ ) بيان للحال . ( قوله : وفي نسخة أو حزن ) أي وعلى هذه النسخة يكون قوله بعد ذلك أو قبض من ذكر الأعمّ بعد الأخص ، واعلم أنه سيأتي له نفعنا اللّه به بيان حقيقة كل لفظ من المذكور هنا . ( قوله : فالأحوال مواهب ) أي تنشأ عن الهبات الإلهية لا مدخل للكسب فيها وقوله : والمقامات مكاسب أي تنال بكسب العبد وطلبه بمساعدة الهبات ، واعلم أنّ المقامات قد تكون ذميمة ، فانظر إلى ما نسب إليه الإنسان الحامل للأمانة من الظلم والجهل ، وذلك لأن الجمل يستدعي قوّة وقدرة ، وليس