تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 340

مساهمون:

ص٣٤٠
في الدنيا فرحهم في الآخرة ) لأن ذلك فعلك وأنت القادر عليه وعلى إزالته ( فقالوا له إنما سألناك أن تدعو عليهم فقال إذا فرحهم في الآخرة فقد تاب عليهم ) وإذا تابوا زال عنكم ما تكرهونه ، فيحصل مطلوبكم من الدعاء عليهم ، وهذا من كمال المعرفة والسياسة في تغيير المنكر الذي لا يتمكن العبد من إزالته بقوّة الجاه والسطوة ، فسلك معروف في إزالته مسلك السؤال ، وطلب الفضل من اللّه في أن يغير أحوالهم عما هي عليه لأنه تعالى الفاعل بهم ما هم فيه فقال : « اللهم ما فرحتهم في الدنيا فرحهم في الآخرة فأعلمهم بذلك أن التغيير في هذا الوقت لمثل هؤلاء ، إنما هو بالدعاء لهم بالتوبة ، وبين ذلك بقوله : إذا فرحهم في الآخرة فقد تاب عليهم » . ( سمعت أبا الحسن عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد المزكي قال : حدثنا أبو زكريا يحيى بن يحيى الأديب قال حدثنا الفضل بن صدقة قال : حدثني أبو عبد اللّه الحسين بن عبد اللّه بن سعيد قال : كان يحيى بن أكثم القاضي صديقا لي ، وكان يودّني وأودّه ) بفتح الواو فيهما أي يحبني وأحبه من الود بتثليث الواو ، وهو المودّة أي المحبة ( فمات يحيى فكنت أشتهي أن أراه في المنام فأقول : له ما فعل اللّه بك فرأيته ليلة في المنام فقلت له : ما فعل اللّه بك قال : غفر لي إلا أنه وبخني ، ثم قال لي يا يحيى خلطت عليّ في دار الدنيا فقلت أي رب اتّكلت على حديث حدثني به أبو معاوية الضرير عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إنك قلت إني لأستحي إن أعذب ذا شيبة ) أي شابت في الإسلام ، وتاب صاحبها من زلله ( بالنار فقال : قد عفوت عنك يا يحيى ، وصدق نبيي إلا أنك خلطت عليّ في دار الدنيا ) فيه دلالة على أنه غفر له بحسن ظنه بربه مع عمله الصالح ، وإن كان قد خلطه بشيء لاعترافه بذنبه فقد قال تعالى :
وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً
شرح
حيث قال في كفار قريش : « اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون » بشهود أن الفاعل المختار هو اللّه سبحانه وتعالى ، وإن كان كائن فبقدرته وإرادته فسأله أن يغير حالهم من عقوق المعاصي إلى امتثال الطاعات ، وذلك بواسطة ما منحه اللّه تعالى من الرأفة والرحمة بعباد اللّه لا عجزا عن الإنكار لمعرفته أن مجرد الإنكار لا ينفع ، ولا يؤثر فافهم ما أشرت إليه تعلم ما في الشارح مما عول عليه . ( قوله : كان يحيي الخ ) فيه تنبيه على سعة الفضل والرحمة ، وأنهما قد يكونان لمن خلط في العمل الحسن بالقبيح ، بل لمن تجرد مع صحة الإيمان كيف ، وقد أمر عباده بالعفو والإحسان ، ولو في حق من تعدى من نوع الإنسان ، فالرب أولى بالكرم إذ هو ولي سائر النعم . ( قوله : وتاب صاحبها الخ ) أقول إنما قيد بذلك نظرا لحكم النقل ، وإلا فلا قيد
نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 340 | الشيخ عبد الله العروسي / عبد الوارث محمد على