باب الحزن هو قبض يرد على القلب لفوات محبوب ، أو توقع مؤلم ، وقد ينسى سببه ، ثم
شرح
باب الحزن
أقول ، وهو لا يكون إلا من قلب حي تألم من المعاصي وحزن على فوات الطاعات ، فيطلب هذه ويفر من تلك لما أحس به من ألم أو ملاءمة ولما جده من مرارة وحلاوة ، فحزن على ما فاته من الموافقات على حسب همته ، وندم على ما فعله من الزلات ، والقلب الميت لا يحس بشيء من ذلك قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن » « 1 » وقال ابن مسعود : رضي اللّه عنه : المؤمن يرى نفسه من ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه ، والمنافق يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا فأطاره . فحقيقة الحزن انقباض السر لما سلف من مخالفة الأمر ، والتلهف على ما وقع فيتمنى أنه لم يكن وقع وقال بعضهم : الحزن هو انقباض القلب لفوات محبوب ، أو خوف حصول مكروه فتهيجه حسرة خوف الفوات أو وجود الفوات ، وذلك عذاب حاضر لا فائدة له إلا التشمير في المستأنف فإن أفاد عملا أو نهوضا لاستدراك الممكن منه كان حسنا جميلا ، وإلا فليس بشيء بل هو زيادة في الاغترار ، وقد يزداد صاحبه جرأة ورؤية للنفس ، فيكون سببا لطرده من حيث يراه سبب قربه ، ولقد سمعت عن شيخنا أبي عبد اللّه النوري رحمه اللّه يقول : رأيت في حديث عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إذا استكمل الرجل النفاق ملك عينيه يرسلهما متى شاء » ، وقال بعضهم : الحزن من منازل العامة إذ هو انخلاع عن السرور وملازمة للكآبة بتأسف على فائت ، أو توجع لممتنع ، وإنما كان من منازل العامة لأن فيه نسيان المنة والتفاتا إلى رقة الطبع ، وهو في مسالك الخواص حجاب لأن معرفة اللّه تعالى جلا نورها كل ظلمة ، وكشف سرورها كل غمة ،فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ[ يونس : 58 ] ، وقيل : إن عتبة الغلام دخل على رابعة العدوية ، وعليه قميص جديد ، وهو يتبختر في مشيته بخلاف ما سبق من عادته فقالت له : يا عتبة ما هذا التيه ، وهذا العجب الذي لم أره في شمائلك قبل اليوم ، فقال : يا رابعة منهامش
( 1 ) أخرجه الترمذي ( فتن 7 ) وأحمد بن حنبل ( 1 ، 18 ، 26 ، 3 ، 446 ) .