الآية ما أشار إليه المصنف من الغيبة وعدم الإدراك لأنهم قد أجابوا ويحسن أن يورد هنا قوله تعالى :
فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ
[ هود : 66 ] لأنّ الحق تعالى إذا سأل الأمم بقوله :
ما ذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ
[ هود : 65 ] فأخذتهم صدمة العزة وسطوة السؤال حتى ذهلوا عن الجواب ، وعن سؤال بعضهم بعضا عن وجه الصواب ( فأما إيثار أرباب المجاهدة للسكوت ) على النطق ( فلما علموا ما في الكلام من الآفات ثم ) لما علموا ( ما فيه من حظ النفس وإظهار صفات المدح والميل إلى أن يتميز بين أشكاله ) وأقرانه ( بحسن النطق وغير هذا من آفات ) اللسان ( في الخلق وذلك ) أي : السكوت ( نعت أرباب الرياضة وهو أحد أركانهم في حكم المنازلة ) من المقامات ( وتهذيب الخلق ) ويدل لذلك الخبر الصحيح : « إنّ الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالا يهوي بها في نار جهنم » ، وقد قال أبو بكر الصدّيق لعمر رضي اللّه عنهما لما رآه آخذا بلسانه وقال له عمر : منه غفر اللّه لك هذا الذي أوردني الموارد ،
شرح
يقول : بما أجابهم به الأمم بعد أن بلغوهم . ( قوله : فليس في الآية الخ ) أي على هذا الاحتمال .
( قوله : ويحسن أن يورد هنا الخ ) أي لأنّ فيه الذهول ، والغيبة عن الجواب بواسطة سطوة السؤال . ( قوله : فأما إيثار أرباب الخ ) في قوّة جواب عن سؤال في المقام محصله أن في النطق فوائد ومصالح ، فلم قدم أرباب المجاهدة السكوت عليه ، فأجاب عنه بقوله : فأما إيثار الخ الذي حاصله أنّ السلامة مقدّمة على الغنيمة ، ودرء المفاسد مقدّم على جلب المصالح شعر :وقائلة ما لي أراك مجانبا * أمورا ، وفيها للتجارة مربح
فقلت لها ما لي لربحك حاجة * فنحن أناس بالسلامة نفرح( قوله : فلما علموا الخ ) يشير إلى أن الآفات تحذر ، ولو كانت باعتبار حقيقة الحال ، أو درجة الكمال . ( قوله : وذلك أي السكوت نعت أرباب الرياضة ) أي ، وأما العارفون ممن تتسابق إلى قلوبهم الأنوار ، فلا يسكتون ، بل ينطقون بالحكمة فيؤثر قولهم في قلب السامع حيث أنه مقدس من الأصل طيب الفرع لأن عبارات اللسان تتبع حركات القلوب ، فمن كان ناقص النور فعبارته عن النقص ، ومن كان عن هوى فكذلك ومن كان عن نور تام أفاد السامع نورا تاما كذلك فافهم . ( قوله : ويدل لذلك ) أي لتقديم السكوت على المنطق لكون السلامة فيه ، وفي النطق قد يكون الضرر في الدنيء بحيث لا يشعر به المتكلم لقوّة غفلته وعمى بصيرته .
( قوله : لا يلقي لها بالا الخ ) أي لكونه يستخف بها مع أنها يترتب عليها أنه يهوي بها في نار جهنم لعظم جرمها باعتبار ما في نفس الأمر . ( قوله : لما رآه آخذا بلسانه الخ )