وتشعب أفكاره لأنه إذا كان مشغوفا بإعلام غيره بما تضمنه قلبه كان متكلما ( وإن كان صامتا ) بلسانه لأنه تارة يسير إلى مقصود بيده وتارة بعينه ، وتارة بغيرهما كما مرّ ولهذا قال ( والصمت ليس بمخصوص ) وقوعه ( على اللسان لكنه ) يقع أيضا ( على القلب والجوارح كلها وقال بعضهم : من لم يستغنم السكوت ) أي : لم يعرف فضيلته ويعده غنيمة ( فإذا نطق نطق بلغو ) لقلة خوفه من آفات اللسان . ( سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت محمد بن عبد اللّه بن شاذان يقول : سمعت ممشاد الدينوري يقول :
الحكماء ورثوا ) بكسر الراء ( الحكمة بالصمت والتفكر ) لأن الحكمة وضع الشيء في محله فمن لم يثبت بقلبه وجوارحه حتى يعرف الصواب من الخطأ لم يكن حكيما ، ووقع في الخطأ . ( وسئل أبو بكر الفارسي عن صمت السر ) وهو جمع العبد همته على ما هو الأولى به ( فقال : ترك الاشتغال بالماضي والمستقبل ) بأن يجمع العبد همه على ما هو الأولى به في وقته ، ( و ) لهذا ( قال أبو بكر الفارسي : إذا كان العبد ناطقا فيما يعنيه ، وفيما لا بدّ له منه فهو في حد الصمت ) أي : لا فضول عنده وإن كان ناطقا فيما لا يعنيه ، فليس بصامت ، والحاصل أن كلامه وفكره فيما يحتاج إليه لا يخرجه عن الصمت ، وفيما لا يحتاج إليه يخرجه عنه وإن سكت بلسانه . ( وروي عن معاذ بن جبل رضي اللّه عنه أنه قال : كلم الناس قليلا وكلم ربك ) أي : اذكره ( كثيرا لعل قلبك يرى
شرح
( قوله : كان متكلما ) أي بالقوّة لا بالفعل . ( قوله : والصمت ليس بمخصوص الخ ) أقول بحسب ذوقي إنّ صمت القلب صمت لغيره ، فهو السبب الأقوى في صمت اللسان وباقي الجوارح . ( قوله : من لم يستغنم السكوت الخ ) أقول فيه مبالغة حيث جعل السلامة غنيمة . ( قوله : ورثوا الحكمة الخ ) أي ، فالصمت مع التفكر هو ماء حياة شجرة الحكمة بسبب ما يرد على القلب في حالتهما من واردات الرب سبحانه وتعالى .
( قوله : فمن لم يثبت الخ ) فيه إرشاد شرعي وسياسي وذوقي فعلى الكيس الحادق أن يتفكر ويتذكر قبل أن يتكلم ، فإن وجد خيرا أقدم وإلا أحجم . ( قوله : فقال ترك الاشتغال الخ ) محصله عدم تضييع الحال بما لا يجدي من الماضي والاستقبال ، فالمقصود من العبد قصر قوله على ما يعنيه فيكون حينئذ في حد الصمت ، وبضدها تتميز الأشياء . ( قوله : والحاصل الخ ) أي حاصل المقصود من الصمت حصر القول والفكر فيما يعني في الوقت الحاضر لا مجرّد السكوت ، فمن اشتغل بما يعنيه كان في حد الصمت ولو كان متكلما ومن اشتغل بما لا يعنيه خرج عن حد الصمت ، وإن كان ساكتا .
( قوله : كلم الناس قليلا الخ ) من إشارته يعلم أن الخير في قلة اللغو وكثرة الذكر ، فهي مدارج يترقى عليها العبد حتى يصل إلى مقام الإحسان والقرب .
( قوله : لعل قلبك يرى اللّه ) أي لعله يصفو له حال المراقبة في جميع حركاته