تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 289

مساهمون:

ص٢٨٩
السلمي رحمه اللّه يقول : أخبرنا عبد اللّه بن محمد الرازي قال : حدثنا أبو العباس محمد بن إسحاق السراج قال : سمعت أحمد بن الفتح يقول : سمعت بشر بن الحرث يقول : إذا أعجبك الكلام فاصمت ، وإذا أعجبك الصمت فتكلم ) لأنّ في ذلك مخالفة لهوى النفس وردّا لها عن هواها ، وإعجابها بأحدهما يكون إما لاستحسانها للشيء ، ولو كان ما استحسنته لا يخالف الشرع لكنه يحملها على الشغل به عما هو أولى منه ، أو لإضافة ما استحسنته إليها ومدحها عليه ونسيان كونه من فضل اللّه . ( وقال سهل بن عبد اللّه : لا يصح لأحد الصمت حتى يلزم نفسه الخلوة ) غالبا لأن الصمت مع خلطة الناس متعذر غالبا فإذا خلا بنفسه حتى تعود السكوت أمكنه أن يسكت مع الخلطة ، وقد يمن اللّه تعالى على العبد بالقوّة على مخالفة النفس ، فيصمت مع الخلطة ، وإن لم يتقدّمه خلوة . ( ولا تصح له التوبة ) من فضول الكلام ، وزلل اللسان ( حتى يلزم نفسه الصمت ) غالبا لأن الغالب أن من كثر كلامه كثر خطؤه . ( وقال أبو بكر الفارسي : من لم يكن الصمت وطنه ) أي مقامه بأن لم يصمت بقلبه ولسانه ، وسائر جوارحه ( فهو في الفضول ) بكثرة أقواله ووساوسه ،
شرح
أي فالخير كله في مخالفة الهوى كما أنّ الشر كله في موافقته . ( قوله : إذا أعجبك الكلام فاصمت الخ ) محصله الحث على مخالفة ما تدعو إليه النفس ، وما تميل إليه ، ولو كان ميلها بشاهد العلم ، وذلك لأجل البعد عن حظوظها خشية من دسائسها . ( قوله : وإعجابها الخ ) شروع في بيان وجه طلب مخالفة النفس بإيضاح دليله . ( قوله : لكنه يحملها على الشغل به ) أي وذلك حجاب يحجب عما هو أولى منه ، وهو الشغل بمن تفضل بذلك عليه . ( قوله : حتى يلزم نفسه الخلوة ) أي لأنها من جملة رياضة النفس ، وتمرينها على دوام السكوت ومن الأسباب المسهلة له . ( قوله : متعذر غالبا ) احترز به عن النادر بالنسبة لبعض الكمل . ( قوله : وقد يمنّ اللّه تعالى الخ ) مفهوم قوله قبله غالبا ، وقوله : فيصمت مع الخلطة أي مثل ما تقدّم عن داود الطائي . ( قوله : حتى يلزم نفسه الصمت ) أي سواء كان الكلام عاديا ، أو شرعيا أو غير ذلك لأنّ الألفاظ حلية المعاني ، والمعاني قلبية وما يبرز من بساط يظهر أثره فيه والعبد قبل الخلوة والتوبة لم يتقدّس قلبه فيخشى عليه من عطب العبارة ، ولذا قيل الناس ثلاثة متكلم مجموع ، ومتكلم مسموع ومتكلم مدفوع ، فالمجموع ما تنفع عبارته وتؤثر إشارته ، والمسموع ما تستحلى عبارته ، وتفهم إشارته ، والمدفوع ما تمجه الأسماع ولا يحصل به انتفاع ، واللّه أعلم . ( قوله : لأن الغالب الخ ) ومنه ما اشتهر من كثر لغطه كثر سقطه أي زلله . ( قوله : فهو في الفضول ) أي فالسلامة في السكوت باللسان والقلب على معنى أنه لا يخوض فيما لا يعنيه قولا وفعلا قالبا وقلبا ، وقوفا مع الحدود التي حدّها الشرع .
نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 289 | الشيخ عبد الله العروسي / عبد الوارث محمد على