تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 288

مساهمون:

ص٢٨٨
ورؤي ابن عباس آخذا بتمرة لسانه يقول له : قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم ، فحفظ اللسان غالبا من أهمّ الأمور فإنه ترجمان ما في القلب ، وسلامته من الزلل يستلزم تثبته بقلبه وينبغي التحفظ أيضا مما يقوم مقام اللسان من إشارة وكتابة ، ونحوهما فكم من ساكت هو متكلم . ( وقيل : أنّ داود الطائي رحمه اللّه لما أراد أن يقعد ) أي يختلي ( في بيته ) ليسلم من آفات اللسان في الجدال والخصام ( اعتقد ) أي عزم على ( أن يحضر مجالس أبي حنيفة رحمه اللّه ، إذ كان تلميذا له ، ويقعد بين أقرانه ) من العلماء ( ولا يتكلم في مسألة ) أي لما أراد ذلك ، قال لنفسه : لا أختلي حتى أجالس أصحابي الذين كنت أجالسهم في الفقه سنة ، ولا أتكلم فجلس معهم ، ولم يتكلم بحيث كانت تمرّ به المسألة ، وهو أشهى إلى الكلام فيها من العطشان إلى الماء البارد ولا يتكلم ( فلما قوى نفسه على ممارسة هذه الخصلة ) وهي الصمت ( سنة كاملة قعد في بيته عند ذلك ، وآثر العزلة ) على الخلطة ، ومن لم يجاهد نفسه إلى أن تتغير أخلاقه الذميمة إلى الحميدة لا يفيده مجرّد حبسها ، فإنه إذا حبسها بغير قصد لرياضة أخلاقه ، ثم نسيها رجعت إلى حالها ، وكانت سلامته وقت حبسها خاصة ، وأخلاقه الذميمة باقية . ( وكان عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه تعالى ، إذا كتب كتابا ، واستحسن لفظه مزق الكتاب وغيره ) بكتابة غيره خوفا من العجب وأخذا بقوله تعالى :
وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى
[ النازعات : 40 ] . ( سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن
شرح
الضمير المستتر في رأي يعود على عمر والبارز يعود على الصديق ، فالمعنى لما رأى عمر الصدّيق آخذا بلسانه وقوله : هذا الذي أوردني الخ مقول قول الصدّيق رضي اللّه عنه وقوله قبل مه غفر اللّه لك مقول قول عمر . ( قوله : ورؤي ابن عباس الخ ) الشاهد فيه قوله واسكت عن شر تسلم . ( قوله : غالبا ) احترز به عما إذا طلب القول بشاهد علم الشريعة . ( قوله : فإنه ترجمان الخ ) أي فهو من إمارات ما عليه الإنسان من الأخلاق والأحوال إذ من مال قلبه إلى شيء يتفوّه به لسانه غالبا . ( قوله : يستلزم تثبته بقلبه ) أي ولذلك قيل لسان العاقل في قلبه وقلب الجاهل في لسانه . ( قوله : وينبغي التحفظ الخ ) أي فحكم ما يقوم مقام اللسان حكم اللسان لأن غوائل اللسان تعرض له أيضا . ( قوله : وقيل إنّ داود الخ ) تقدّم الكلام على ذلك ، وإنما أعاده لمناسبة المقام . ( قوله : ليسلم من آفات اللسان في الجدال الخ ) قال بعضهم شعرا :إياك إياك المراء فإنه * إلى الشر دعاء وللشر جالب( قوله : قال لنفسه الخ ) أي فلا بدّ من مجاهدة النفس قبل الخلوة والعزة حتى تثمر خلوته الفوائد وإلا كانت مجرّد حبس للنفس بدون ثمرّة تدوم ( قوله : وكان عمر الخ ) فيه تنبيه على قوّة مراقبته لأفعال نفسه رضي اللّه تعالى عنه . ( قوله : ونهي النفس عن الهوى )
نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 288 | الشيخ عبد الله العروسي / عبد الوارث محمد على