رغبتك في الأسباب التي تحصلها بها وإذا قلت رغبتك فيها زهدت في الدنيا . ( وقال محمد بن الفضل : إيثار الزهاد ) يكون ( عند الاستغناء ) عما يؤثرون به ( وإيثار الفتيان ) يكون ( عند الحاجة ) لما يؤثرون به ( قال اللّه تعالى ) في مدح الأنصار بإيثارهم مع حاجتهم
وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ
[ الحشر : 9 ] والتفاوت بين الزهاد والفتيان أن الزهاد إنما زهدوا في الفضول والفتيان في المحتاج إليه . ( وقال الكتاني :
الشيء الذي لم يخالف فيه كوفي ولا مدني ولا عراقي ولا شامي هو الزهد في الدنيا ، وسخاوة النفس والنصيحة للخلق يعني أن هذه الأشياء لا يقول أحد أنها غير محمودة ) بل محمودة ففضيلة الزهد قال بها سائر الأقاليم المذكورة وغيرها . ( وقال رجل ليحيى بن معاذ : متى أدخل حانوت التوكل ، وألبس رداء وأقعد مع الزاهدين ؟ فقال :
إذا صرت ) أي : وصلت ( من رياضتك لنفسك في السر إلى حد لو قطع اللّه عنك الرزق ثلاثة أيام لم تضعف في نفسك فأما ما لم تبلغ هذه الدرجة فجلوسك على بساط الزاهدين جهل ثم لا آمن عليك أن تفتضح بينهم ) ، هذا منه تنبيه على أنه لا
شرح
لغرض التقوّي على العبادة وشرب كذلك ، ولبس بقصد ستر العورة امتثالا ونكح لقصد كف الشهوة وللتوالد ، وهكذا كانت أفعاله جميعها طاعة ، واللّه أعلم . ( قوله : إيثار الزهاد الخ ) يشير إلى تفضيل الفتى عن الزاهد بما منحه الحق تعالى من قوّة البذل لما له وجاهه ، بل ونفسه فقد فرق بين المقامين بإظهار شرف الثاني على الأوّل ليحمل على علوّ الهمة .
( قوله : في الفضول ) أي فيما فضل عن حاجتهم ، وقوله : والفتيان الخ جمع فتى وهو من قوى بذله لما له وجاهه بل ولنفسه بحسب ما دل عليه علم النقل . ( قوله : الذي لم يخالف فيه الخ ) أي لأن الزهد في الدنيا أصل عظيم في جميع الخيرات قد وقع عليه الحث في كثير من الروايات ، ويقوي ما ذكره المصنف قول الفضيل بن عياض : جعل اللّه الشر كله في بيت ، وجعل مفتاحه حب الدنيا ، وجعل الخير كله في بيت وجعل مفتاحه الزهد فيها . ( قوله : بل محمودة ) أقول كيف لا وقد أجمع أهل الأقاليم على حسن هذه الصفة ، وحينئذ فلا عذر في عدم التخلق بالزهد في الدنيا . ( قوله : في السر الخ ) إنما قيد به لأن طهارته هي المعتبرة في قبول طاعة الإنسان ، وزيادة التوفيق لدوام العبادة مع التفويض والتسليم ، لفعل العليم الحكيم . ( قوله : ثلاثة أيام الخ ) إنما قيد بهذه المدّة لما قيل من أن العبد لا يعيش مدّتها بدون الغذاء حيث لم يتقدّم له عادة الرياضة ، ومع ذلك ، فالغرض الحث على الرضى بما يجريه الحق ، من تصاريف أحكامه في الخلق . ( قوله :
ثم لا آمن عليك الخ ) أي لأنه حينئذ متكلف لا صاحب خلق فهو عرضة لتغير الحال ويؤيد ما ذكرناه قول بعضهم :قالت لنا سودة الأحداق والمقل * ليس التكحل في العينين كالكحل