معاذ : الزاهد ) لكون قلبه امتلأ بهوان الدنيا عند اللّه وكثرة آفاتها بحيث إنك تجد أكثر كلامه في بيان نقائصها كأنه ( يسعطك ) يا طالبها ( الخل والخردل ) من حيث أنه يؤلمك بكلامه ، وينكر عليك ما أنت فيه ويصغر قدرك ، ( والعارف ) باللّه لكون قلبه امتلأ بمعرفته به وبجماله وجلاله ، وتوالي إنعامه وأفضاله على خلقه بحيث أنك تجد أكثر كلامه في بيان ذلك كله ، ( يشمك المسك والعنبر ) من حيث أنه يرغبك في نيل المقامات ويشرح صدرك بذكر فضل اللّه ونعمه على خلقه ، فكل من الزاهد والعارف تكلم بما غلب عليه وامتلأ قلبه به . وكل إناء بالذي فيه ينضح . ( وقال الحسن البصري : الزهد في الدنيا أن تبغض أهلها وتبغض من فيها ) من حيث أنها مبغوضة للّه تعالى ، وأنها تشغلك عن مطلوبك ، وهذا من ثمرات الزهد لا نفسه . ( وقيل لبعضهم : ما الزهد في الدنيا فقال : ترك ما فيها ) على من فيها أي : بقلبه أما بجوارحه ، فهو من ثمرات الزهد لا نفسه كما مرّ نظيره . ( وقال رجل لذي النون المصري ) رحمه اللّه تعالى ( متى أزهد في الدنيا فقال : إذا زهدت في ) حظوظ ( نفسك ) من مطعم ومشرب وملبس ومنكح وجاه ونحوها لأنك إذا زهدت فيها قلت
شرح
المبالاة بها وأن لها قدرا واللّه أعلم . ( قوله : يسعطك الخ ) أي لأنه قد امتلأ قلبه بآفات الدنيا وضرر الاشتغال بها ، فهو لا يتكلم إلا ببيان نقصها ونقص المنهمكين على حبها ، وهم يتألمون بذلك ، فلأجل ذلك شبهه بإسعاط الخل والخردل والعارف الغالب على قلبه رؤية الأفضال عليه وعلى غيره من العالمين ، وشهود كمال مولاه وجماله ، فهو يحرّك القلوب إلى اللّه بدوام التذكير ويطيب النفوس بحسن الظن فشبهه بمن يشم المسك والعنبر لحياة القلوب به .
( قوله : يشمك المسك والعنبر الخ ) أقول وطيب قوله من طيب قصده إذ بزيادة نور السر تظهر ينابيع الحكم على لسان الجهر ، وهذا بخلاف من زين الظاهر وخرّب الباطن ، فهو وإن رق لفظه لا يفيد وعظه ، فاللّه يرزقنا التوفيق لنصل إلى مقام التحقيق . ( قوله :
وكل إناء الخ ) أقول ويعلم هذا بشهود التأثير وعدمه ، فمجرّد جمال الظاهر لا يكفي إذ الحلو قد يضر ، والمر بنفعه قد يسر ، فلا تغفل عن الدقائق في ذوق تلك الرقائق . ( قوله :
إن تبغض أهلها الخ ) أي من حيث شاهد العلم لما قدمناه مرارا من أن الضرر إنما هو في تعلق القلب بالدنيا تعلقا يوجب تضييع حق من حقوقه تعالى لا مطلقا ، ومع هذا فذلك من شيم العوام أما خلق الخواص ، فهو من التفرق عندهم ، ومن تضييع الوقت إذ لا التفات لهم إلى الغير أصلا . ( قوله : فقال ترك ما فيها ) أي من جواهر وأعراض على من فيها أي من أفراد الثقلين حتى لا يشغل قلبك عن الحق شاغل من ذلك .
( قوله : من مطعم الخ ) أي حيث كان تعاطي ذلك لمجرّد الشهوة واللذة أما إذا أكل