سئل الجنيد رحمه اللّه عمن لم يبق عليه من الدنيا إلا التنعم بمص نواة قال المكاتب عبد ما بقي عليه درهم أشار به إلى أن من بقي عليه ما ذكر لم تكمل حريته من رق الشهوات . ( ولا يطيب عيش العارف إذا اشتغل بنفسه ) عن مولاه لأن شغله إنما هو بمولاه فلا تطيب نفسه بإشتغاله لها ، بل بإشتغاله بمولاه عما سواه . ( وسئل الجنيد رحمه اللّه عن الزهد فقال : خلو اليد من الملك ، والقلب من التتبع ) داوى بذلك من رآه ينفق دنياه في جهات البر ، ثم يتبعها بكلامه أو بقلبه مدحا ومحبة أو ندما ومسرة فإن تتبعها محبة لصنعه تعالى وما يجريه عليه لم يكمل زهده ، فكمال زهده أن لا يلتفت إلى ما خرج من يده . ( وسئل الشبلي عن الزهد فقال : أن تزهد ) بقلبك ( فيما سوى اللّه تعالى ) حتى في نفسك . ( وقال يحيى بن معاذ : لا يبلغ أحد حقيقة الزهد ) وهي غلبة أحواله على القلب ( حتى يكون فيه ثلاث خصال ) إحداها ( عمل بلا علاقة ) أي : خالصا للّه تعالى لا لعلة من علل الدنيا كحب الحمد ، وخوف الذم والطمع فيما
شرح
الكامل . ( قوله : المكاتب عبد الخ ) أي فمن بقي في رق التنعم بمص النواة لم تتمحض حريته . ( قوله : ولا يطيب عيش العارف الخ ) محصله أنه لا يتم له مقامه إلا إذا فني عن نفسه وما لها من الخير اشتغالا عن ذلك باللّه سبحانه . ( قوله : خلوّ اليد من الملك الخ ) أي بشهود أنّ الكائنات الدنيوية عوار مستردّة وامتحانات للعبيد المستعدّة ليظهر بذلك الشريف عن الخسيس ، قال تعالى :وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ[ محمد : 31 ] .
( قوله : ثم يتبعها بكلامه ) أي وذلك يفسد ثواب الإنفاق قال تعالى :قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً[ البقرة : 263 ] لأن المن غير محمود إلا منه تعالى وقوله : أو بقلبه أي أو يتبعها بقلبه مدحا ، ومحبة بأن يميل قلبه إلى الثناء عليه بالبذل بحسب طبعه أو يتبعها ندما ، وتحسرا على بذلها بمقتضى ما جبل عليه من الحرص والبخل . ( قوله :
فإن تتبعها محبة لصنعه تعالى الخ ) هذا مقابل لقوله قبل ، ثم يتبعها بكلامه الخ فإن قلت أي مفسدة وخلل في هذا حتى ينافي الكمال قلت لأن الكمال الذي هو صفة العارفين إنما يكون في الفناء عن نفوسهم ، وما يجريه الحق من تصاريف أحكامه لها . ( قوله : إن تزهد بقلبك فيما سوى اللّه ) أي فلا تلتفت إلى شيء صدر من نفسك من أعمال البر لأن ذلك من نوع الدسائس .
( قوله : حتى يكون فيه ثلاث خصال ) محصلها صدق الإخلاص له تعالى قولا وفعلا وخلقا . ( قوله : عمل بلا علاقة الخ ) أي وذلك لأن من صح زهده كانت أعماله مبرّأة من الآفات ، ووعظه وتنبيهه مبرّأ عن الطمع ، وكذلك يكون عزيز النفس لاستغنائه عن غير ربه ، وليس عزه رياسة على الخلق وكبرا ، بل هو مستغن عنهم راحم لهم مشفق عليهم .
( قوله : كحب الحمد الخ ) محصل ما ذكره تجرد النفس عن حظوظها ولو في الآجل