حتى تذكرت ) هذه القصة التي حصل بها قسوة قلبها ( فشقت قميصها فوجدت قلبها ) أي : حضوره ، هذا من جنس ما مر عن المحاسبي وبشر ، وذلك حفظ وتأديب من اللّه تعالى لمن عظمت رتبته . ( ورؤي سفيان الثوري في المنام ، وله جناحان يطير بهما في الجنة من شجرة إلى شجرة فقيل له : بم نلت هذا المقام فقال : بالورع بالورع ) هذا المنام ترغيب في الورع ، ولهذا أكد طلبه بتكرير قوله بالورع وسائر المنامات التي تذكر أمثلة تدل على الترغيب والرهيب لمن أراد اللّه به خيرا لا أدلة شرعية . ( ووقف حسان بن أبي سنان على أصحاب الحسن ) البصري ( فقال ) لهم ( أي شيء أشد ) أي :
أشق ( عليكم فقالوا : الورع فقال : ولا شيء أخف عليّ منه فقالوا : فكيف ) ذلك ( فقال : لم أرو ) أي : لم أشرب ( من نهركم منذ أربعين سنة ) تورعا لاحتمال أن النهر حصل بظلم في حفره وتهيئته ، وهذا منه يدل على كمال زهده لأن من تعوّد الزهد خف عليه الورع ، فأراد رحمه اللّه أن ينقل أصحاب الحسن من الورع إلى الزهد ، فدلهم على ذلك بفعله الذي هو الوعظ من قوله ، وهو أنه لم يشرب من نهرهم المتيسر عليهم أربعين سنة ( وكان حسان بن أبي سنان لا ينام ) بالليل ( مضطجعا ) بل على حالته التي هو عليها ( ولا يأكل سمينا ولا يشرب ماء باردا ستين سنة ) لكمال شغله بربه ( فرؤي في المنام بعد موته فقيل له : ما فعل اللّه بك فقال : خيرا إلا أنى محبوس عن الجنة بإبرة ) أي : بسبب إبرة ( استعرتها فلم أردها ) إلى صاحبها هذا يدل على كمال ورعه مع أنه لم يسامح بإبرة فإذا كان الحبيب القريب لم يسامح في حقوق الناس ، فكيف بمن أكثر ليله ونهاره يتمضمض بأعراض الناس في الغيبة والنميمة والسب والقذف وغيرها من المحرّمات فإنا للّه وإنا إليه راجعون ، وهذا من جنس ما مر في القلم والتمرة . ( وكان لعبد الواحد بن زيد غلام خدمه سنين ) عديدة ( وتعبد أربعين سنة ، وكان ابتداء أمره كيالا فلما مات رؤي في المنام فقيل له : ما فعل اللّه بك فقال : خيرا غير أني محبوس عن الجنة وقد أخرج ) أي : أظهر اللّه ( عليّ من غبار
شرح
الزهد . ( قوله : وكان حسان الخ ) أقول عدم مسامحته يدل على زيادة قربه وتنوير بصيرته ، وحينئذ فلا ينبغي قنوط غيره من رحمة ربه ممن لم يصل إلى مثل هذه المقامات يختص برحمته من يشاء .
( قوله : فكيف بمن أكثر ليله الخ ) أقول مثل هذا من اخلاق خاصة أهل زماننا قضلا عن عوامهم ، فكأنهم يعتقدون إباحة ذلك ، فلا حول ولا قوة إلا باللّه . ( قوله : وكان لعبد الواحد الخ ) فيه تنبيه أن المؤمن ينبغي أن يكون دائم اليقظة في مراقبة الأفعال حيث ثبت الحساب في حقير الأشياء ، ولكن مع هذا فالحبس في مثله للتحليل لا للتعنيف أي