بالأفعال ، وعلى خروج غيره عن القدرة على إحداث شيء ، فإذا علم العبد ذلك عذر الخلق فيما يقصرون فيه لعلمه بعجزهم عما يصلحهم ويدفع عنهم ما يؤذيهم ، ومع هذا يقيم عليهم الحدود وينكر عليهم ما لا ينبغي فعله امتثالا لأمر اللّه تعالى ، وهذا هو الصراط المستقيم الذي هو أدق من الشعر وأحد من السيف إثبات الكسب للعبد وتبريه من الأفعال . ( والمداومة على الأوراد ) التي رتبها في عبادة ربه لأنها أصل عظيم في توالي الألطاف وحياة القلوب كما قال تعالى : على لسان نبيه « ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته » الحديث ، ( وترك ارتكاب الرخص ) من الميل إلى الراحات والتنعم بأنواع الملذوذات ، ( و ) ترك ( ارتكاب التأويلات ) في هذه الأمور بأن يتأول العبد في نفسه أنه لا إثم عليه في فعلها ، ولا في تركها ، ويغفل عن كونها مرغبا فيها أو في تركها لنيل الدرجات العلية وكمال القرب من خالق البرية .
( ومنهم أبو الحسن علي بن إبراهيم الحصري ) بضم الحاء وإسكان الصاد المهملتين نسبة إلى عمل الحصر وبيعها ( البصري سكن بغداد عجيب الحال واللسان
شرح
نور الأنوار . ( قوله : أي قبولهم منهم ) أي ولو تحقق كذبها عملا بسنته صلى اللّه عليه وسلم . ( قوله :
لدلالتها الخ ) أي لدلالة رؤية أعذارهم على كمال معرفة من رأى ذلك لهم بانفراد الحق بالأفعال ، ولذلك قيل من نظر إلى الخلق بعين نفسه مقتهم ، ومن نظر إليهم بعين الحق عذرهم لكونهم محلا لتصريف القدرة العلية ، ولا يسأل تعالى عما يفعل . ( قوله : وهذا هو الصراط المستقيم ) الإشارة إلى اعتقاد عجز الخلق عما يصلحهم ، وفيه أن ذلك إنما يجري على مذهب الأشعرية ، ومن تبعهم وفيه ما لا يخفى على ذي لب ، وإذا أردت علم ذلك فارجع إلى رسالتنا المسماة بالقول الفصل .
( قوله : الذي هو أدق من الشعر وأحد من السيف ) يشير بذلك إلى أنه من خفاء الكسب باعتبار دليله شبه بدقة الشعر ولخطره بعدم القول بالكسب شبه بحد السيف ، بل قد أثبت له الأحدّية منه ، وذلك لما يؤدّي إليه من تعطيل الأحكام الشرعية .
( قوله : إثبات الكسب للعبد ) أي عملا بمقتضى التكليف بظاهر الشرع وقوله وتبريه من الأفعال أي رجوعا إلى باطن الحقيقة فسبحان من لا يسأل عما يفعل . ( قوله : والمداومة على الأوراد ) أي الواجب منها والمندوب وإن أفهم الشارح تخصيصه بالمندوب لغرض إيراد الحديث القدسي الذي ذكره . ( قوله : وترك ارتكاب الرخص ) أي أخذ ذلك عادة على حسب حظ النفس وإلا فقد ورد أن اللّه يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه ( قوله : وترك ارتكاب التأويلات ) أي التي هي أبواب للضلالات ولذا قيل إذا أراد اللّه بعبد شرا فتح له باب التأويل .