أدهم ، وسليمان الخوّاص ، فنظروا في الورع فلما ضاقت عليهم الأمور ) بأن بالغوا في التفتيش عن الحلال ، فلم يقدروا على صفائه ( فزعوا إلى التقلل ) مما حصل لهم من كسبهم صافيا بحسب إمكانهم زيادة عن ورعهم إذ لا حساب عليهم فيه ففي الخبر الصحيح : « لا حق لابن آدم إلا في ثلاث بيت يكنه ، وثوب يواري عورته ، وجلف الخبز والماء وما عدا ذلك حساب » . ( وسمعته ) أيضا ( يقول : سمعت أبا القاسم الدمشقي يقول : سمعت الشبلي يقول : الورع أن تتورّع عن كل ما سوى اللّه تعالى ) لأن الورع مجانبة الشيء كما قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : « ورّعوا اللص ولا تراعوه » أي : جنبوه رحالكم ولا ترصدوه حتى يقع ، ومنه قول العرب ورّع الإبل أي :
جنبها أكل ما يضرها . ( وسمعته ) أيضا ( يقول : أخبرنا أبو جعفر الرازي قال : حدثنا العباس بن حمزة قال : حدثنا أحمد ابن أبي الحواري قال : حدثنا إسحاق بن خلف قال : الورع في المنطق ) الذي أهلك أكثر الناس وحذر منه النبيون والصدّيقون ( أشد ) وأكمل ( منه ) أي : من الورع ( في الذهب والفضة ) لأن من قوي على الأقوى كان على الأضعف أقوى ، ( والزهد في الرياسة ) التي قيل فيها آخر ما يخرج من رؤوس الصدّيقين حب الرياسة التي منها التفات العبد إلى أعماله ، وحسن هيئته وامتيازه بمقامه الشريف عن غيره ( أشد ) وأكمل ( منه ) أي : من الزهد ( في الذهب والفضة لأنك تبذلهما في طلب
شرح
والاعتماد على ما في القلوب حيث هي عرش تجلي المحبوب . ( قوله : كان أهل الورع الخ ) أقول الحصر فيهم لاشتهارهم به ، وذلك لا ينافي ثبوت الورع لغيرهم في زمنهم وبعد زمنهم بشاهد خبر : « أمتي كالقطر لا يدري أوّله خير أم آخره » واللّه علم . ( قوله :
صافيا ) حال من التقلل جعل قيدا للفزع أي فطلبهم للقليل مقيد بالبحث عن وجه حله فجاء القليل من الكسب صافيا بحسب إمكانهم . ( قوله : لا حق الخ ) أي فلا لوم عليه في واحد من الثلاثة ، وما زاد فبحسابه .
( قوله : من كل ما سوى اللّه ) أي وهو ورع الكمل من عباد اللّه لأن ما عداه تعالى حقيق بأن لا يبالي به ويلتفت إليه حتى يكون في تركه فضيلة . ( قوله : ولا تراعوه ) أي لأن في مراعاته شغل النفس بغيره تعالى وتضييع الوقت ، وذلك نقص . ( قوله : أشد وأكمل منه الخ ) أي لأن غوائل النطق تذهب بالحسنات ، بل قد تذهب بأصل الدين والعياذ باللّه تعالى فاللسان وإن صغر جرما عظم جرما . ( قوله : لأن من قوي الخ ) أي فمن أقدره اللّه على حفظ لسانه كان على غيره أحفظ بتوفيق اللّه . ( قوله : والزهد في الرياسة ) أي حب التقدم على الغير بشهود فضيلة لنفسه على ذلك الغير ، وذلك من أقوى أسباب الكبر وهو من أعظم الحجب المانعة عن كل خير . ( قوله : التي منها التفات العبد الخ ) أي وذلك في طريق الكمال من الشرك الخفي . ( قوله : لأنك تبذلهما الخ ) أي وحينئذ فقد آثرتها