المشكل أشد إعراضا وأخف تحملا ( ما حاك ) أيّ : تحرّك ( في نفسك تركته ) يعني والورع تركك ما حاك في نفسك ، وكرهت أن يطلع عليه الناس . ( وقال معروف الكرخي : احفظ لسانك من المدح كما تحفظه من الذم ) فالورع يجري في المدح كما يجري في الذم ، وفي الحديث في الفضول لأن العبد قد يمدح غيره فإن مدحه بضد ما يعتقده كان كاذبا ، أو بما يعتقده فقد يدخل الممدوح في ضرر ، ويقطع ظهره لوقوعه في كبر أو عجب أو غيرهما مما يرتبط برؤية النفس ، ورفعتها ، وقد جاء في الخبر :
« كفى بالمرء إثما أن يحدّث بكل ما سمع » ، فليحفظ لسانه عن نقل أخبار الناس خوفا من الوقوع في الكذب ( وقال بشر بن الحرث : أشد الأعمال ) أي : أشقها على النفوس ( ثلاثة ) أحدها ( الجود في القلة ) والحاجة لأن الحامل عليه حينئذ كمال الإيثار والإعراض عن النفس وحظها ، ( و ) ثانيها ( الورع في الخلوة ) عن الناس لأن العبد قد يتورّع عن الشيء إذا كان مع الناس لكونه مرائيا ، أو يجد معينا فإن العبد قد يعمل برؤية غيره ، وينشط بنشاطه بخلاف من يتورّع وحده بحيث لا يراه أحد فإن ذلك إنما هو لكمال إخلاصه وخوفه ، ( و ) ثالثها ( كلمة حق عند من يخاف منه ويرجى ) فيها السلامة منه لما فيه من كمال التغرير بالنفس ، وتعريضها للإهانة ( وقيل : جاءت أخت بشر الحافي إلى أحمد بن حنبل ) وكانت لا تحب أن تتصرّف في شيء من أموال الولاة ( وقالت ) له ( إنا نغزل على سطوحنا فتمر بنا مشاعل ) الولاة ( الظاهرية ويقع الشعاع )
شرح
بالحاء المهملة بمعنى تحرّك كما ذكره الشارح ، وقوله : تركته أي أعرضت عنه مخالفا لنفسك فكل ما كرهت أن يطلع عليه غيرك منك مما خفى من أمرك لزمك تركه ليتحقق ورعك .
( قوله : احفظ لسانك من المدح ) أي صنه عن الثناء على غيرك بما لم يشهد به علم المتابعة مثل ما تحفظه وتصونه عن ذمك إياه إذا عملت ذلك تعلم أن مدح الشخص نفسه أقبح بدليل قوله سبحانه :فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ[ النجم : 32 ] الآية هذا ، وقد سمعت من بعض مشايخي إن مثل من يمدح نفسه مثل بهيم ينظف نفسه بلحس لسانه . ( قوله : لأن العبد قد يمدح الخ ) محصله النهي عن مدح الغير سواء كان كاذبا في المدح أم صادقا لكونه آثما في الحالة الأولى موقعا للممدوح في ضرر عجبه وكبره في الثانية . ( قوله :
كفى بالمرء إثما أن يحدث الخ ) أي كفاه اثمه في تحدثه بكل مسموعاته ما صح منها وغيره مما قبل في العقل وما لم يقبل منها . ( قوله : أشد الأعمال الخ ) أي وإنما كانت أشد الأعمال لكونها ليست من حظوظ النفس التي تميل إليها بل من التي تنفر منها .
( قوله : ويرجى فيها السلامة ) قيد في جواز الإقدام عليها والا امتنع شرعا .
( قوله : وقالت له الخ ) انظر كمال متابعتها وزيادة مراقبتها لحركاتها حيث خشيت