عين الممثل به لأن الشخص الواحد يراه عدد كثير في أماكن مختلفة في وقت واحد ويراه واحد شيخا وآخر شابا وآخر كهلا ، وحقيقة الرؤيا الصالحة أن يخلق اللّه في قلب النائم ، وفي حواسه الأشياء كما يخلقها في اليقظان ، وسيأتي بيانه في باب رؤيا القوم . ( سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي رحمه اللّه يقول : سمعت أبا عثمان المغربي يقول : من اختار الخلوة على الصحبة ينبغي أن يكون خاليا من جميع الأذكار إلا ذكر ربه ) ، وخاليا من جميع الإرادات إلا إرادة ( رضا ربه وخاليا من مطالبة النفس من جميع الأسباب ) لأن الشيء العزيز لا ينال العبد بعضه حتى يعطيه كله ولا أعز من قرب اللّه تعالى وحفظه ( فإن لم يكن بهذه الصفة ، فإن خلوته توقعه في فتنة أو بلية ) فإنّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ، وقد صح في الخبر : « يأتي الشيطان أحدكم ويقول : من خلق كذا من خلق كذا حتى يقول له : من خلق ربك فإذا وجد ذلك ، فليستعذ باللّه ولينته » ، فعلى العبد أن يديم ذكره لربه ، ويعرض عن الأسباب المشوشة عليه ويجتهد في تحصيل رضاه عنه حتى يحفظه عن عدوّه ويكفيه شره .
( وقيل : الانفراد في الخلوة أجمع لدواعي السلوة ) أي : دواعي تطيبت النفس يقال :
سقيتني سلوة وسلوانا أي : طيبت نفسي عنك قاله الجوهري ( وقال يحيى بن معاذ :
شرح
الموصل لقربك من رحمتي . ( قوله : وما يرى في المنام الخ ) محصل ذلك أنّ الرؤيا من شهود المنال لا من قبيل ما تتخيله الأوهام ، وقد قرب ذلك بحال الخلق في الرؤيا ليعلم ما يتعلق بالحق تعالى منها . ( قوله : من اختار الخلوة ) أي من اختارها بعد توفر شروطها له وصحة منازلتها في حقه ينبغي له فيها أن يكون خاليا من جميع الأذكار المشغلة له عن ذكر ربه ليتفرّغ سره لمقصوده من ذكر ربه وعبادته ، وإلّا كانت خلوته محنة وبلية . ( قوله :
وخاليا من مطالبة النفس الخ ) أي وينبغي له أن ينقطع عن الأسباب المعطلة له عما هو بصدده .
( قوله : وإن لم يكن بهذه الصفة ) أي التي هي خلو عن كل ذكر إلا ذكر ربه وعن كل سبب إلا اكتفاءه به تعالى . ( قوله : توقعه الخ ) أي لأنه إذا كان منفردا في الخلوة ، ولم يشغله ذكر الحق تعالى كان للشيطان عليه سبيل وأيّ سبيل . ( قوله : في فتنة أو بلية ) أي افتتان وابتلاء بما يورده الشيطان على قلبه مما لا يجوز في حقه سبحانه وتعالى . ( قوله :
فليستعذ باللّه ) أي لأننا نهينا عن التفكير في ذات اللّه تعالى وأمرنا به في آلائه . ( قوله :
اجمع لدواعي السلوة ) أي وذلك لما يحصل في الخلوة من الإنس باللّه تعالى بواسطة لذة ما يناله فيها من المحاضرات والمشاهدات التي توجب له الوحشة من الخلق والنفرة منهم . ( قوله : وقال يحيى الخ ) محصله أنّ الخلوة في الحقيقة ليست بدنية فقط بل هي إنما تتحقق بفراغ القلب عن كل ما سواه تعالى استغراقا في مقامات الصدق ، وهذا يظهر