ينشد ( شيئا ) من كلام القوم ( فلما تغير عليه الحال ) من شدة ألمه ونزع روحه وغمض عينيه ( أشرنا على عليّ ) المذكور ( بالسكوت ) فسكت ( ففتح الشيخ أبو عثمان عينيه فقال لم لا يقول علي ) المذكور ( شيئا فقلت لبعض الحاضرين سلوه ) وقولوا له ( علام يسمع المستمع ) أي : على أي وجه يسمع العبد من الوجوه الفاضلة ( فإني أحتشمه ) وأستحي منه أن أسأله ( في تلك الحالة ) التي اشتد عليه فيها ألمه ( فسألوه ) عن ذلك ( فقال ) لهم ( إنما يسمع ) المستمع ( من حيث يسمع ) أي : من حيث يسمعه اللّه تعالى لاختلاف مقامات الناس ، ومعرفتهم باللّه ومحبتهم له ، فقد يسمع العبد من الخوف ، وقد يسمع من الرجاء وقد يسمع من المحبة ، وكل منهم على درجات وفيما نقل عنه ما يدل على كمال شغله بحاله ، ومراعاته لقلبه وعدم التفاته لما هو فيه من ألم موته فإنه إنما غمض عينيه لشدة ما هو فيه حتى توهم الحاضرون موته فأمروا القوال بالسكوت . ( وكان ) بو عثمان ( في الرياضة كبير الشأن ) وكمالها يكون بكمال التقوى فإن المتقي يروض نفسه حتى يستأنس باللّه تعالى . ( وقال أبو عثمان التقوى هو الوقوف مع الحدود ) التي شرعها اللّه تعالى ( لا يقصر فيها العبد ولا يتعداها ) بل يأتي بها على وجهها ( وقال من آثر صحبة الأغنياء على مجالسة الفقراء ابتلاه اللّه بموت
شرح
فاضلة يعد بها من الاشتغال بأمر الدين مع أنه تقدم عن بعضهم أنه من نوع البطالة ينافي الجد والاجتهاد في العبادة فلعله بحسب اختلاف الواردات على القلوب واللّه أعلم .
( قوله : أي من حيث يسمعه اللّه تعالى ) أقول لعل قصره على الأوجه الفاضلة التي ذكرها باعتبار السؤال ، وإلا فعبارة الجواب كما تصدق بذلك تصدق أيضا بالأوجه المذمومة . ( قوله : فقد يسمع العبد من الخوف ) أي من أجل الخوف لكون الغالب عليه الرجاء وقوله من الرجاء أي من أجله إذا غلب عليه الخوف ومثله يقال في قوله : وقد يسمع من المحبة ، ومحصل ذلك أنه يحصل خلاف ما غلب عليه من الأحوال المذكورة ليكون عمله دائرا على جميعها ومتوسطا بينها حيث الشأن لطالب الحق أن لا يقف مع حال أو مقام خشية ضرره ، تدبره واللّه أعلم .
( قوله : وكان في الرياضة الخ ) أي فكان قائما على نفسه وحاملا لها على الجد في العبادة بسياستها حتى تخلص من الشواغل والمألوفات . ( قوله : هو الوقوف ) ذكر الضمير باعتبار الخبر وإلا فكان حقه التأنيث . ( قوله : من آثر الخ ) أي من غلب على قلبه الميل للأغنياء ومجالستهم ابتلاه اللّه تعالى بموت قلبه لأنه إنما ينشأ له ذلك من اغتيال النفس بشهواتها الدنيوية ، وترك ما خلقت له من العبادة ومحصله أن الميل للأغنياء من حيث غناهم مذموم أما من جهة علمهم أو صلاحهم أو كرمهم ، فلا بأس به . ( قوله : أشبه الميت ) أي بجامع عدم الانتفاع في كل على أنّ الميت حقيقة انقطع عمله واستراح ،