نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 169
باب التوبة هي أصل كل مقام ، ومفتاح كل حال فمن لا توبة له لا مقام له ، وهي كما باب التوبة اعلم وفقني اللّه وإياك أن المقصود من التوبة خروجك عن كل ما يحجبك عن الحق من الذنوب ، وهي ثلاثة أقسام : ذنوب الأعمال المتعلقة بالجواح التي منشؤها القالب والنفس الأمارة ، وذنوب الأحوال ، وهي المتعلقة بالقلب والروح والسر ، وذنوب الوجود المتعلقة باللطيفة الأنانية الإنسانية المختفية في الهيكل المخصوص الإنساني المحتجب بهذا الوجود عن شهود نور الأنوار ، وهذا آخر حجب تلك اللطيفة الأنانية في طور الخفاء لأن الحجاب هو ما يحجب عن الحق من الدنيا والآخرة حتى نفس وجود العبد فطالب المعراج الأقدس يسلك هذا السبيل الأنفس ، ويهدي اللّه لنوره من يشاء من عباده ، وإنما قلنا في الأوّل التي منشؤها القالب ، والنفس الأمّارة لأن النفس محل تراكم الظلمات ، ومبدأ قبيح الشهوات ، وفي الثاني قلنا المتعلقة بالقلب والروح والسر لأنها وإن كانت نورانية قد يطرأ عليها أدناس الأوساخ من غلبة مذموم الصفات كالوقوف مع استحسانها والعكوف على ملاذها مع الغفلة عمن منحها ، وإنما أضفنا الذنوب للوجود لقولهم وجودك ذنب لا يقاس به ذنب . وإنما كان كذلك لأن الشخص إذا رأى له كونا ووجودا كان هذا من الحجب المانعة له من الوصول إلى حضرة الحق تعالى تحذيرا لك أن تركب مطية المعصية العرجاء ، فتنقطع في مسافة الطريق العوجاء ، بل سابق بالسير القويم على الصراط المستقيم ، فالحق إنما أمرك بالتوبة ليطهرك من التدنيس ، ويلبسك أوصاف التقديس ، فألق من أوصافك الذميمة ، وتخلق بالحميدة المجيدة شعر : قد رشحوك لأمر لو فطنت له * فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل فإياك وترك التوبة ، فعلامة الفلاح اتباع طريقة النجاح ، وإياك أن تبني قلعة الأعمال على غير أساس التوبة فتكون كمن بنى على شفا جرف هار ، وتوبة العوام من الهنات وتوبة الخواص من العادات ، وتوبة خواص الخواص من السوي والأغيار ، والركون إلى المقامات والأنوار ، ولا تأمن بعد التوبة الصادقة وإن أتتك بشائر القبول ، فإنه سبحانه لا يسأل عما يفعل ، وأنت المسؤول قال تعالى : وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [ الحجرات :