عنه بالفناء ( ونهاية الذكر أن يغيب الذاكر في ) حالة ( الذكر عن الذكر ) ويعبر عنه بفناء الفناء فإذا لم يبق في قلب العبد حالة ذكره للّه شيء من المخلوقات غير ذكره له ، فقد فني عن غير اللّه وإن كان مدركا لفنائه ونفسه ، فإن قوي اشتغاله باللّه حتى غاب في ذكره عن شعوره بذكره ونفسه فقد فني عن فنائه ونفسه أيضا ولم يبق عنده إلّا اللّه فجعل رضي اللّه عنه أول المقامات فناء العبد عن غيره من المخلوقات وأعلاها فناءه عن نفسه أيضا شغلا بمذكوره ، وسيأتي ذلك في محله ( وقال أبو العباس ) الدينوري :
( لسان الظاهر ) وهو الدليل الشرعي المثبت للأحكام الخمسة ( لا يغير ) أي : لا ينافي
شرح
تنسى ما دونه أي ما سواه وذلك بدوام الإخلاص مع حضور القلب ، وقوله : ويعبر عنه بالفناء أي فكأنه لبعده عن غير الذكر والمذكور أشبه من بعد بالفناء حقيقة ومثله يقال في الفناء عن الفناء .
( قوله : ويعبر عنه بالفناء الخ ) اعلم أن الفناء عن الفناء يعبر عنه بالجمع ، وجمع الجمع كما أن الفرق وفرق الفرق يعبر عنه بالبقاء ، وبقاء البقاء ، وهذا كله لا يعلمه إلا أرباب الكمال والأذواق كما قيل لا يعلم الشوق إلا من يكابده . ولا الصبابة إلا من يعانيها ، واللّه أعلم . ( قوله : أن يغيب الذاكر الخ ) أي لأن ذكره قد أدخل نفسه في حظائر صوامع الذكر التي هي الأحوال والمواطن المعنوية التي تصون الذاكر عن التفرق عن مذكوره ، وتجمع همه عليه بالكلية ، واعلم أنّ نهاية الذكر هو ذكر الذات بالأسماء الذاتية دون الوصفية والفعلية مع المعرفة بها وشهودها ، وذلك لأن أصل الذات المطلقة هو أصل جميع الأسماء فأجل وجوه تعظيمها هو التعظيم المطلق المتناول لجميع أوصافه ، فإن الذاكر إذا أثنى عليه بعلمه أو جوده أو قدرته مثلا فقد قيد تعظيمه بهذا الوصف أما إذا أثنى عليه بأسمائه الذاتية كالقدوس ، والسلام والسبوح والحق والعلي وأمثالها فقد عم تعظيمه لجميع كمالاته فتدبر تفهم ، واللّه بالحال أعلم . ( قوله : إن يغيب الذاكر الخ ) أي ويعبر عن ذلك بالمحو وهو أنواع محو أرباب الظواهر ، وهو رفع أوصاف العادة ويقابله الإثبات الذي هو إقامة أحكام العبادة ، ومحو أرباب السرائر ، وهو إزالة العلل والآفات ويقابله إثبات المواصلات وذلك برفع أوصاف العبد ورسوم أخلاقه المشار إليه بخبر « كنت سمعه » الحديث .
( قوله : فجعل رضي اللّه عنه أول المقامات الخ ) أي ويعبر عنه عندهم بالجمع وعن المقام الثاني بجمع الجمع ، ويعبر عنه بمقام البقاء واللّه أعلم . ( قوله : لسان الظاهر الخ ) محصله أنّ الوصول إلى الحقيقة لما لم يكن له طريق غير المتابعة لزم أن لا ينشأ عنه في حقيقة الطريقة إلا ما يشهد له ذلك الظاهر بالموافقة والصحة واللّه أعلم . ( قوله : لسان الظاهر ) محصله أن الشريعة والحقيقة واحدة إنما الاختلاف في التعبير فلا شريعة إلا