لما تأمل ) لأن من لم يكن كذلك لم يعمل لآخرته ولم ينتقل عن درجته في دنياه وحالته ، فالعبد مأمور بأن يترك ما يهواه في دنياه ومجازاته على عمله الصالح في أخراه فإن ما يناله أفضل مما يتركه وأنفع له في أخراه ودنياه لما يأمله من خير اللّه كمناجاته لمولاه في دنياه . ومن كلامه : ليس من الأدب أن تسأل رفيقك إلى أين أو في أيش ، وقال : من أقبل على الدنيا وسكن إليها أحرقته بنيرانها وصار رمادا لا قيمة له ولا قدر ، ومن أقبل على الآخرة وسكن إليها أحرقته بنورها وصار سبيكة من ذهب ينتفع بها ، ومن أقبل على اللّه أحرقه التوحيد ، وصار جوهرا لا قيمة له .
( ومنهم أبو بكر الطمستاني ) قال جماعة ولعله الطمنسي بفتح المهملة وكسر الميم ، وإسكان النون نسبة إلى طمنس قرية من قرى ماريدان فاشتبه على الكاتب ، ( صحب إبراهيم الدباغ وغيره وكان أوحد وقته علما وحالا مات بنيسابور بعد سنة أربعين وثلاثمائة . قال أبو بكر الطمستاني : النعمة العظمى الخروج ) أي : البعد ( من
شرح
به سيد الكائنات ، وذلك إنما يكون بدوام المجاهدة في العبادة مع أخلاصها ، فيثمر قوة اليقين حتى يصير الوعد كنصب العين . ( قوله : ليس من الأدب الخ ) أي ويؤيده خبر : « من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه » . ( قوله : وقال من أقبل على الدنيا ) أي بالإنهماك على تحصيلها وأخذ شهواته منها أحرقته بنيرانها قال الرازي : يعني حرص ومنع الحقوق ، وذلك يوصله إلى نار التطهير إن لم يصادفه عفو اللّه ، وقوله : ومن أقبل على الآخرة أي بتفرغه لأعمالها ودوام جده واجتهاده فيما يناسبها أحرقته بنورها أي الذي هو نتيجة أعمالها حتى يفنى عن الكائنات بأسرها وذلك بتأثير دوام أنوار التجليات بسبب تخلصه من رق الشهوات ، وقوله : ومن أقبل على اللّه أي على مراقبته في عبادته أحرقه التوحيد أي نوره حتى يفنى عن فنائه بالترقي إلى مقام جمع الجمع وحينئذ فيصير من الجواهر المجردة عن المألوفات لا قيمة له أي لا يعلم مقدار ما له عند ربه مما أعده له واللّه أعلم .