( ومنهم عبد للّه بن خفيف الشيرازي ) بكسر الشين المعجمة نسبة إلى شيراز قصبة فارس ( صحب رويما والجريري وأبا العباس بن عطاء وغيرهم ، مات ) في رمضان ( سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة ) بشيراز عن مائة وأربع سنين ( وهو شيخ الشيوخ وأوحد وقته ) شافعي المذهب ( وقال ابن خفيف : الإرادة ) من العبد ( استدامة الكد وترك الراحة ) لأن الوصول إلى الدرجات العلا إنما يحصل بذلك ويكون مع ذلك متبرئا من إرادته ، ولهذا قالوا المريد لا إرادة له ( وقالوا ليس شيء أضر بالمريد من مسامحة النفس في ركوب الرخص ) أي : ارتكابها ( وقبول التأويلات ) المفضية إلى الراحات والبطالات لأن ذلك يضاد اجتهاده في الخيرات ( وسئل عن القرب فقال قربك منه ) تعالى ( بملازمة الموافقات ) لأوامره ونواهيه التي منها استشعار قلبك نظره إليك وقلة غفلتك عنه ( وقربه منك بدوام التوفيق لك ) وتوالي نعم اللّه عليك ، فليس القرب بالتداني والمسافة لأن
شرح
تصوف وتزهد حتى صار بجمع الخرق من المزابل ويستتر بها ، أخذ عن ابن شريح الأشعري والواسطي والجريري وابن عطاء والمقدمي ، ولقي الحلاج وأخذ عنه القاضي الباقلاني وغيره . قال أبو نعيم : كان شيخ الوقت علما وحالا ، وقال النسوي : بلغ ما لم يبلغه أحد في العلم والجاه والتام عند الخاص والعام ، وصنف ما لم يصنفه أحد مقصودا من الآفاق مفيدا لكل فن من الفنون وبقي في بدايته أربعين شهرا يفطر بكف باقلاء حتى جف دمه ، ويقرأ القرآن في كل ركعة ويصلي كل يوم ألف ركعة ، ودخل بغداد ، وبقي بها أربعين يوما لا يأكل ، ولا يشرب ، ثم خرج فوجد ظبيا على رأس بئر في البرية ، وهو يشرب ، وكان عطشانا فدنا من البئر فولي الظبي ، وإذا بالماء أسفل البئر فقال يا سيدي مالي عندك مثل هذا الظبي ، فسمع قائلا يقول جربناك فلم تصبر إن الظبي جاء بلا ركوة وحبل ، وأنت جئت بهما فرجع ، فإذا بالبئر ملآن فشرب وتطهر وملأ ركوته ، فدخل على الجنيد ، فلما وقع بصره عليه قال له : لو صبرت ساعة لنبع الماء من تحت قدميك ، ومن كلامه : القرب طي المسافة بلطيف المداناة ، وقال قربك بملازمة الموافقات ، وقربه منك بدوام التوفيق ، وقال قال لي المصطفى في النوم : من عرف طريقا له إلى اللّه فسلكه ، ثم رجع عذبه اللّه بعذاب لم يعذب به أحدا من العالمين ، وقال : عليك بمن يعظك بلسان فعله لا بلسان قوله وله غير ذلك .
( قوله : الإرادة الخ ) مراده بها الإرادة المعتبرة لنيل المشاهدات ، وإلا فهي تتحقق بالعمل على طريقة المتابعة .
( قوله : متبرئا من إرادته ) أي بشهود الفضل له تعالى . ( قوله : قالوا المريد من لا إرادة له ) أي من لا إرادة له ترجع إلى الشهوة . ( قوله : وتوالي نعم اللّه عليك ) أي بإضافة الأنوار وقوة الأسرار . ( قوله : ربما كنت اقرأ الخ ) أقول ذلك كله ميسر بالعناية والتوفيق