تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
باختلاف الأحوال ، وبما تقرّر علم أن الستر على وجهين : ستر اللّه لعبده بإخفاء حاله عن غيره وستره عليه ، مما يجوز أن يظهره له ، فإن ستر عنه عيوبه كان ستره بلاء وإن ستر عنه نظره إلى أعماله واستحسانه لأحواله كان ستره رحمة له . ( سمعت منصور المغربي رحمه اللّه يقول : وافى بعض الفقراء حيا من أحياء العرب ، فأضافه شاب فبينما الشاب في خدمة هذا الفقير إذ غشي عليه فسأل الفقير عن حاله فقالوا ) في جوابه ( له بنت عم وقد علقها ) أي : تعلق قلبه بها ( فمشت في خيمتها فرأى الشاب غبار ذيلها فغشي عليه فمضى الفقير إلى باب الخيمة وقال ) لبنت عمه ( إن للغريب ) مثلي ( فيكم حرمة وذماما ) بمعنى الحرمة ( وقد جئت مستشفعا إليك في أمر هذا الشاب ، فتعطفي عليه فيما هو به من هواك ) أي : حبه لك ( فقالت ) له المرأة ( سبحان اللّه أنت سليم القلب إنه لا يطيق شهود غبار ذيلي فكيف يطيق صحبتي ) إشارة إلى الستر الذي هو رحمة من الحق فيمن لم يطق التجلي ( وقوام هذه الطائفة عيشهم في التجلي وبلا وهم في الستر ) كما مر ، ( وأما الخواص فهم بين طيش وعيش لأنهم إذا تجلى لهم ) الحق ( طاشوا وإذا ستر عليهم ردّوا إلى الحظ ) أي : حظهم ( فعاشوا ، وقيل إنما قال الحق تعالى لموسى عليه السلام
وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى
[ طه : 17 ] الآية ( ليستر عليه
شرح
في الستر والخشوع في التجلي بالنسبة للعارفين ، وبالنسبة للعوام يكون نقصا وحجابا ، والحاصل أن الستر قد يكون نعمة ورحمة ، وقد يكون نقمة ، وذلك بالنسبة للعوام ، وللخواص فأما ستر عيوب العوام عنهم ، فهو نقمة وعقوبة وبلاء وأما ستر ما لا حاجة لهم به ، ولا طاقة لهم عليه من العلوم والمعارف ، فهو لطف بهم ورحمة لهم ، وأما الستر بالنسبة للخواص ، فيقال فيه أيضا إن ستر عنهم ما يكاشفهم به على معنى أن يستر عنهم كنه ما كوشفوا به لعدم طاقتهم عليه فهو رحمة ولطف ومنه ستر حالهم عن غيرهم غيرة عليهم ، وأما ستر ما يوجب لهم الغفلة فنقص فأنواع الستر خمسة اثنان للعوام ، وثلاثة للخواص واللّه أعلم . ( قوله : يقول وافي بعض الفقراء الخ ) في ذلك تنبيه على أن الستر قد يكون رحمة ، وذلك بالنسبة لمن لا يقوى على سطوع نور التجلي فافهم . ( قوله : عيشهم ) أي معيشتهم في التجلي أي بما يطيقونه ، فلا ينافي ما قدّمه من ستر الرحمة . ( قوله : وبلاؤهم في الستر ) أي في ستر عيوبهم عنهم كما تقدم . ( قوله : بين طيش وعيش ) أي بين سكر ودهشة وصحو وإقامة . ( قوله : لأنهم إذا تجلى لهم الحق طاشوا ) أي سكروا وغابوا في لذة ما أبداه ذلك التجلي لهم ، وقوله : وإذا ستر عليهم ردوا إلى الحظ فعاشوا أي ردوا إلى حظهم من المتابعة والعبور على ظواهر الشرع فتلذذوا بمعيشتهم وداموا على مجاهدتهم في عبادة ربهم . ( قوله : ليستر عليه الخ ) أي فهو ستر رحمة لا رجاء به إلى إحساسه عما فجأه من