نتائج الأفكار القدسية في بيان معاني شرح الرسالة القشيرية — صفحة 105
حكي أن ذا النون المصري بعث إنسانا من أصحابه إلى أبي يزيد ) البسطامي ( لينقل إليه صفة أبي يزيد ) أي : أحواله ولم يكن المبعوث يعرفه ( فلما جاء الرجل ) المبعوث ( إلى بسطام سأل عن دار أبي يزيد ) فدل عليها ( فدخل عليه فقال له أبو يزيد ما تريد فقال أريد أبا يزيد فقال ) له ( من أبو يزيد ، وأين أبو يزيد فأنا في طلب أبي يزيد ) فيه دليل على كمال استغراقه في أكثر أوقاته وهو يحب أن لو خفف عنه ما هو فيه ليرجع إلى إحساسه وينتفع بما لا بدّ له منه ( فخرج الرجل ) من عنده ( وقال هذا مجنون فرجع إلى ذي النون وأخبره ) بذلك فعرف مقام أبي يزيد وأنه مشغول عن نفسه بالكلية ( فبكى ذون النون وقال : أخي أبو يزيد ذهب في الذاهبين ) أي : المشغولين باللّه تعالى عن أنفسهم وسائر الخلق ( إلى اللّه تعالى ) . ومن ذلك ( الصحو والسكر . فالصحو رجوع إلى الإحساس بعد الغيبة ) بالسكر [ ومن ذلك الصحو والسكر ] ( قوله : الصحو والسكر ) اعلم وفقني اللّه وإياك أنّ السائر والمسافر لا بدّ له من مقامات يقيم فيها وموارد يردها حتى ينتهي إلى مقصده ، فإذا وصل المقصد فهناك يكون له أحوال وشؤون وتقلبات ، فكذلك السائر إلى اللّه تعالى مع أنه لا مسافة يقطعها ، ولا جهة يقصدها ، ولامكان يتوجه إليه لاستحالة جميع ذلك في حقه تعالى ، فحينئذ تعين أن المراد قطع مسافة النفس بالخروج عن أخلاقها الذميمة إلى الحميدة فإذا وصل العبد إلى ذلك ظهر له شؤون وتقلبات عن مبادي المقامات ، ولذا قيل لولا مسافة النفس ما تحقق سير السائرين ، فهي الحجاب الأعظم بين العبد وربه ، فإذا زال هذا الحجاب الكثيف لمعت أنوار المحبة ، وبدت إشارات الوصلة ، فيعتوره أحوال مثل الصحو تارة والسكر أخرى ، وهما حالتان شريفتان ووصفان عظيمان لا يكونان إلّا لمن كوشف عن الجمال وبشر بالوصال ، فهام بالمحبوب وجدّ في المطلوب ، واعلم أنّ الصحو لا يقال إلّا لمن سبق له سكر ، فغاب في ميدان الذكر ، فإن بقي له بعض إحساس يقال له المتساكر وإلا بأن غلب عليه الحال حتى غاب عن فكره يقال قد بلغ حدّ السكر ، واعلم أنّ الصحو الذي هو في مقابلة السكر حال من أحوال المحبين ، أو مقام من مقاماتهم بحسب اختلاف الاصطلاح في التعبير عنه بالحال أو المقام ، ومأخذه من قوله جل شأنه : فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ [ الأعراف : 143 ] ومن قوله جل وعلا : حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ما ذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ [ سبأ : 23 ] وقال الهروي الصحو فوق السكر ، وهو يناسب مقام البسط ، ولهذا قال العارف الكبير قدّس اللّه سرّه : ولما انقضى صحوي تقاضيت وصلها * ولم يغشني في بسطها قبض خشية فيكون تقدير كلامه ولما انقضى سكري الذي تقدّم له ذكره بصحوي حذفت الباء لضرورة الشعر ، ولا يسوغ على هذا أن يكون صحوي فاعل انقضى ، بل فاعله ضمير