وقال الشيخ عبد السلام المقدسي في حل الرموز :
[ كيف يضعف قوى الحواس في أولياء ؟ ]
اعلم أن الولي إذا قمع نفسه عن الشهوات ضعفت قوى الحواس حتى صارت كالمعدومة لأنها تشتغل بالاطلاع على الملكوتيات الغيبية ولأن الروح من هناك اقتنصت وفي هذه الهياكل حبست فإذا ضعفت القوى النفسانية فتصفوا الروح وتتنظف النفس بالرياضيات فتشاهد في اليقظة ما تشاهده أنت في نومك عند خمود حسك .
وقال شيخنا العارف بالله الرباني سيدي محمد المغربي بعد أن أخبرني أنه رأى الرسول صلى اللّه عليه وسلم مرتين في اليقظة إنما تكون في المبالغة في الاستعداد والتقرب إلى الله تعالى لقوله صلى اللّه عليه وسلم ولا يزال العبد يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه - إلى آخره ) فعند ذلك يصير حال النائم حالا لذلك الولي يقظة عنده لأن حالة المداومة برسوخ الأقدام في المجاهدة تثمر مشاهدة المغيبات في غالب الأوقات أو على الدوام لأهل الاستعداد التام ولأن المرئى بعين البصر إنما هو لإشراق البصيرة عليه كما قال القائل :
أبعينى أراك أم بفؤادي * كل ما في الفؤاد للعين بادي
واعلم أن المراد باليقظة هنا يقظة القرب المشهود في العالم عند هذا العارف مفقودا والمفقود منه مشهودا بل يترقى إلى فناء الفناء فلا يجد له مع وجود الحق تعالى وشهد هو وجودا كما قال الأستاذ العارف بالله شرف الدين بن الفارض قدس الله روحه :
وما عثرت عيني على أثر ولم * تدع لي رسمانا لهوى الأعين النجل
قلت هذا التقرير الذي ذكره شيخنا قد أرشدنا إلى معرفة مقامه بين القوم لكونه لم يصرح بذلك إلا بعد الذوق والمباشرة كما جرت به عادة القوم في علومهم اللدنية وهذا المقام هو الغاية القصوى .
وقد صرح به رئيس القوم حجة الإسلام الغزالي رحمه الله وغيره من