تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكواكب الزاهرة — صفحة 364

مساهمون:

ص٣٦٤
وقال غيره : والغين شئ يغشى القلب ولا يغطيه كل التغطية كالغيم الرقيق الذي يعرض في الهواء فلا يمنع ضوء الشمس ، وكذلك لا يفهم من الحديث أنه يغان على قلبه مائة مرة أو أكثر من سبعين مرة في اليوم إذ ليس يقتضيه لفظه الذي ذكرناه وهو أكثر الروايات وإنما هذا عدد للاستغفار لا للغين فيكون المراد بهذا الغين إشارة إلى غفلات قلبه وفترات نفسه وسهوها عن مداومة الذكر ومشاهدة الحق تعالى بما كان صلى اللّه عليه وسلم دفع إليه من مقامات البشر وسياسة الأمة ومعاناة الأهل ومقاومة الولي والعدو ومصلحة النفس وكلفة أعباء أداء الرسالة وحمل الأمانة وهو في كل هذا في طاعة ربه وعبادة خالقه ولكن لما كان رسول الله صلى اللّه عليه وسلم أرفع الخلق عند الله مكانة وأعلاهم درجة وأتمهم به معرفة وكانت حاله عند خلوص قلبه وخلو همته وتفرده بربه وإقباله بكليته عليه ومقامه هناك أرفع حالة رأى عليه السلام حال فترته عنها وشغله بسواها غصا من على حاله وخفضا من رفيع مقامه فاستغفر الله تعالى من ذلك . هذا أولى وجوه الحديث وأشهرها وإلى معنى ما أشرنا به مال كثير من الناس وحام حوله فقارب ولم يرد الماء وقد قربنا غامض معناه وكشفنا للمستفيد محياه وهو مبنى على جواز الفترات والغفلات والسهو في غير طريق البلاغ على ما سيأتي . وذهبت طائفة من أرباب القلوب ومشيخه المتصوفة ممن قال بتنزيه النبي صلى اللّه عليه وسلم عن هذا جملة واحدة وأصله أن يجوز عليه في حال سهو أو فترة إلى معنى الحديث ما يهم خاطره ويغم فكره من أمر أمته عليه السلام لاهتمامه بهم وكثرة شفقته عليهم فيستغفر لهم قالوا وقد يكون الغين هنا على قلبه السكينة التي تتغشاه لقوله تعالى :
فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ
« 1 » ويكون استغفاره عليه السلام عندها إظهار العبودية والافتقار .
هامش
( 1 ) سورة التوبة - آية 40 .