الرابعة : ألا يرى في الوجود إلا واحدا وهي مشاهدة الصديقين ، وتسمية الصوفية الفناء في التوحيد ؛ لأنه من حيث لا يرى إلا واحدا فلا يرى نفسه أيضا ، وإذا لم ير نفسه لكونها مستغرقة بالواحد كان فانيا عن نفسه في توحيده : بمعنى أنه فنى عند رؤية نفسه :
فالأول موحد بمجرد اللسان وذلك يعصم صاحبه في الدنيا عن السيف والسنان .
والثاني : موحد بمعنى أنه معتقد بقلبه ومفهوم لفظه وقلبه خال عن التكذيب بما انعقد عليه قلبه وهو عقد على القلب ليس فيه انشراح وانفتاح ولكنه يحفظ صاحبه عن العذاب في الآخرة إن توفى عليها ولم يضعف بالمعاصي عقدها ، ولهذا العقد حيل يقصد بها تضعيفه وتحليله يسمى بدعة ، وله حيل يقصد بها دفع حيلة التحليل والتضعيف ويقصد بها أيضا إحكام هذا العقد بقلوب العوام حتى لا تنحل عقدته .
والثالث : موحد بمعنى أنه لم يشاهد إلا فاعلا واحد وقد انكشفت له الحقيقة ؛ فإن ذلك رتبة العوام وعلماء الكلام إذا لم يفارق المتكلم العاصي في الاعتقاد بل في صفة تلقين الكلام الذي به يدفع حيل المبتدع في تحليل هذه العقد .
والرابع : موحد بمعنى أنه لم يحضر في شهوده غير الواحد فلا يرى الكل من حيث إنه كثير بل من حيث إنه واحد ، وهذه هي الغاية القصوى في التوحيد فالأول : كالقشرة العليا من الجوز والثاني : كالقشرة السفلى ، والثالث : كاللب ، والرابع : كالدهن المستخرج من اللب .
وكما أن القشرة العليا لا خير فيها بل إن أكلت فهي مرة المذاق وإن نظر إلى باطنها فهي كريهة المنظر وإن اتخذ حطبا أطفأ النار وأكثر الدخان وإن ترك في البيت ضيق المكان ؛ فلا يصلح ذلك القشر إلا أن يترك مرة على الجوز للصون ثم يرمى به عنه فكذلك التوحيد بمجرد اللسان دون التصديق بالقلب
الكواكب الزاهرة — صفحة 347
مساهمون: توفيق على وهبة
ص٣٤٧