الدم وحكمه الخلود في النار فمأخذه كمأخذ سائر الأحكام الشرعية وتارة يدرك بيقين وتارة يظن غالبا وتارة يتردد فيه ومهما حصل تردد فترك التكفير أولى ، والمبادرة في التكفير إنما تغلب على طباع من يغلب عليهم الجهل .
وقال بعض العلماء : اعلم أن دقائق علم التصوف لو عرضت معانيها على الفقهاء بالعبارة التي ألفوها في علومهم لاستحسنوها كل الإحسان وكانوا أول القائلين ، وإنما ينفرهم منها إيرادها بعبارة مستغربة لم يألفوها ولهذا قال بعضهم : الحقيقة أحسن ما يعلم وأقبح ما يقال .
وها أنا أضرب لك مثلا تعرف به صحة ذلك ، قال الهروي في منازل السائرين « 1 » : حقيقة التوبة ثلاثة أشياء ذكر من جملتها وهي عمل صالح وإنما يتوب من المعاصي ، وتقرير معناه أن العبد إذا كمل في رجوعه إلى الله تعالى لم يلتفت لأعماله بقلة توبة كانت أو غيرها فيؤوب من سكونه إلى توبته وأزيدك أيضا أن التوبة وإن كانت من كسب العبد وهي من خلق الله وتوفيقه فهو التائب عليه ، ولو لم يتب عليه لما تاب ، قال الله تعالى :
ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا
« 2 » فأي صنع للعبد في التوبة وغيرها وهو الذي وفقه لفعلها ، فرؤية العبد للتوبة ذنب يستغفر منه ، بل عليه أن يشهد محض منّة الله عليه بها وتوفيقه لها ، وينفى نفسه أصلا عن درجة الاعتبار وهذا هو مقام الفناء في التوبة ، وهي أول منازل السائرين ، فإذا تقرر ذلك علمت أن هذا المعنى لو عرض على الفقيه بهذه العبارة المألوفة كان أول قائل به وناصر له ، لأن الفقيه السنى يقابل على إثبات الأفعال . ونفيها عن العبد مخالفة للمعتزلة والقدرية ونحوهم ممن يزعم أن العبد يخلق أفعال نفسه .
وسئل الشيخ ولى الدين العراقي عن الشيخ محيي الدين بن العربي وابن الفارض فقال رحمه الله تعالى : ينبغي عندي أن لا يحكم على ابن العربي نفسه بشئ فإني لست على يقين من صدور كتاب الفصوص عنه ولا
هامش
( 1 ) منازل السائرين للهروي بتحقيقنا - نشر مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة .
( 2 ) سورة التوبة - آية 118 .