إياك أن تصغى إلى ما اتفق بين أبي حنيفة وسفيان الثوري أو بين مالك وابن أبي ذؤيب أو بين أحمد بن صالح والنسائي ، أو بين أحمد بن حنبل والحارث المحاسبي ، وهلم جرا إلى زمان الشيخ عز الدين بن عبد السلام والشيخ تقى الدين بن الصلاح ؛ فإنك إذا اشتغلت بذلك خشيت عليك الهلاك ، فالقوم أئمة أعلام ولأقوالهم محامل ربما يفهم بعضها فليس لنا إلا الترضى عنهم والسكوت عما جرى بينهم كما يفعل فيما جرى بين الصحابة رضي الله عنهم أجمعين . . .
إذا عرفت ذلك فاعلم أن الإمام أحمد رحمه الله كان يشدد النكير على من يتكلم في علم الكلام خوفا من أن يجر ذلك إلى ما لا ينبغي .
ولا شك أن السكوت عن ما لم تدع إليه الحاجة أولى ، والكلام فيه عند فقد الحاجة بدعة ، وكان الحارث المحاسبي - رحمه الله ورضى عنه - يتكلم في شئ من مسائل الكلام . قال أبو القاسم النصر آبادي : بلغني أن أحمد بن حنبل هجره بهذا السبب قلت والظن بالحارث أنه إنما تلكم حيث دعت الحاجة ولكل مقصد والله يرحمهما .
وذكر الحاكم أبو عبد الله أن أبا بكر أحمد ابن إسحاق الضبعي أخبره قال سمعت إسماعيل بن إسحاق السراج يقول : قال لي أحمد بن حنبل :
بلغني أن الحارث هذا يكثر « من القول » عندك فلو « أحضرتنى عندك » وأجلستنى من حيث لا يراني فأسمع كلامه .
فقصدت الحارث وسألته أن يحضر تلك الليلة وأن يحضر أصحابه فقال فيهم كثرة « ولكن لا » تزدهم على الكسب والتمر ، فأتيت أبا عبد الله فأعلمته « فأحضر إلى ما طلبته » واجتهد في ورده وحضر الحارث وأصحابه فأكلوا ثم صلوا العتمة ولم يصلوا بعدها وقعدوا بين يدي الحارث لا ينطقون إلى قريب نصف الليل ثم ابتدأ رجل منهم فسأل عن مسألة فأخذ الحارث في الكلام وهم يستمعون كأن على رؤوسهم الطير فمنهم من يبكى ومنهم من يحن
الكواكب الزاهرة — صفحة 230
مساهمون: توفيق على وهبة
ص٢٣٠