ذا معنى قوله من عرف نفسه فقد عرف ربه فطوبى لمن عرف وبذنبه اعترف .
وفي الحديث تفسير آخر . وهو أنك تعرف أن صفات نفسك على الضد من صفات ركب فمن عرف نفسه بالعبودية عرف ربه بالربوبية ومن عرف نفسه بالجفاء والخطأ عرف ربه بالوفاء والعطاء .
ومن عرف نفسه كما هي عرف ربه كما هو واعلم أنه لا سبيل لك إلى معرفة إياك كما إياك فكيف لك سبيل إلى معرفة إياه كما إياه فكأنما في قوله من عرف نفسه عرف ربه . علق مستحيلا على مستحيل لأنه يستحيل أن تعرف نفسك وكيفيتها فإنك إذا كنت لا تطيق أن تصف نفسك التي هي بين جنبيك بكيفية أو أبنية ولا سجية ولا هيكلية ولا هي مرئية .
فكيف يليق لعبوديتك أن تصف الربوبية بكيف وأين وهو مقدس عن الكيف والأين ؟ ولهذا أنشد بعضهم :
قل لمن يفهم عنى ما أقول * قصر القول فذا شرح يطول
ثم سر غامض من دونه * ضرب واللّه أعناق الفحول
أنت لا تعرف إياك ولا * تدر من أنت ولا كيف الوصول
لا ولا ندري صفاتا ركبت * فيك حارت في خفاياها العقول
أين منك الروح في جوهرها * هل تراها فترى كيف تجول
هذه الأنفاس هل تحصرها * لا ولا تدرى متى عنك تزول
أين منك العقل والفهم إذا * غلب النوم فقل لي يا جهول
أنت آكل الخبز هل تعرفه * كيف يجرى منك أم كيف تبول
فإذا كانت طواياك التي * بين جنبيك كذا فيها ضلول
كيف تدرى من على العرش استوى * لا تقل كيف استوى كيف النزول
كيف يحكى أم ترى كيف ترى * فلعمري ليس ذا إلا فضول