فقال : أولئك كان إيمانهم قويا فما احتاجوا إلى زيادة يقوون بها ، وغيرهم كان إيمانهم ضعيفا لم يبلغوا إيمان ذلك فقووا بإظهار كرامات .
قلت : وفي هذا المعنى قال بعض الشيوخ الكبار في الكرامات مريم ابنت عمران : إنه كان في بدايتها يعرف لها خرق العادات بغير سبب لقوتها وتكميلا ليقينها ، فكانت كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا فلما قوى إيمانها وكمل يقينا ردت إلى السبب وقيل لها :
وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا
« 1 » ، قال اليافعي : فإن قال قائل تشتبه الكرامات بالسحر .
فالجواب : ما أجاب به المشايخ العارفون والعلماء المحققون في الفرق بينهما إن السحر يظهر على يد الفساق والزنادقة والكفار الذين هم على غير الالتزام للأحكام الشرعية ومتابعة السنة وأما الأولياء فهم الذين يبلغون في متابعة السنة وأحكام الشريعة وآدابها الدرجة العليا فافترقا . وقال الشيخ كمال الدين في حياة الحيوان الكبرى . فإن قيل إذا جوزت الأشعرية خرق العادة على يد الساحر فبماذا يتميز عن النبي ؟
فالجواب : إن العادة تخترق على يد النبي والولي والساحر ، لكن النبي يتحدى الخلق بها ويستعجزهم عن الإتيان بمثلها ويخبر عن الله تعالى بخرق الله العادة بتصديقه ، فول كان كاذبا لم تنخرق على يديه ، ولو خرقها الله على يد كاذب لخرقها على يد المعارضين للأنبياء .
الفرق بين الكرامة والسحر :
وأما الفرق بين الولي والساحر فمن وجهين : أحدهما وهو المشهور إجماع المسلمين على أن السحر لا يظهر إلا على فاسق ، والكرامة لا تظهر إلا على ولىّ ولا تظهر على فاسق ، وبهذا جزم إمام الحرمين وأبو سعيد المتولى وغيرهما . والثاني أن السحر يكون ناشئا بفعل وعلاج . والكرامة لا تفتقر إلى
هامش
( 1 ) سورة مريم - آية 25 .