فقال له أبو حفص رضى اللّه عنه : تعال ! فجاء به إلى سوق الحدادين إلى كير عظيم فحمى فيه حديدة عظيمة ، فأدخل يده في الكير ، فأخذ الحديدة المحماة ، فبردت في يده .
فسأل بعضهم عن معنى إظهار ذلك من نفسه ! فقال : كان الرجل مشرفا على حالة ، فخشى على حاله أن يتغير عليه إن لم يظهر له ذلك ، فخصه بذلك شفقة عليه وصيانة لحاله ، وزيادة لإيمانه ، بل ربما يفرّ عنها العارفون ويخاف منها المحققون .
قال بعض السلف : ألطف ما يخادع به الأولياء الكرامات والمعونات .
الكرامة ليست علامة على الأفضلية
وقال أبو يزيد البسطامي : كنت في بدايتى يريدنى الحق تعالى الآيات والكرامات فلا ألتفت إليها ، فلما رآني كذلك جعل لي إلى معرفته سبيلا .
وقال الإمام اليافعي رحمه الله تعالى في " نشر المحاسن " : لا يلزم أن يكون كل من له كرامة من الأولياء أفضل من كل من ليس له كرامة منهم ، بل قد يكون بعض من ليس له كرامة منهم أفضل من بعض من له كرامة ؛ لأن الكرامة قد تكون لتقوية يقين صاحبها ، ودليلا على صدقه ، وعلى فضله ، لا على أفضليته وإنما الأفضلية تكون بقوة اليقين ، وكمال المعرفة بالله ، فكل من كان أقوى يقينا ، وأكمل معرفة كان أفضل .
ولهذا قال قطب العلوم وتاج العارفين سيد الطائفة أبو القاسم الجنيد :
" قد مشى رجال باليقين على الماء ، ومات بالعطش أفضل منهم يقينا " .
وقال أيضا : " اليقين ارتفاع الريب في مشهد الغيب " .