هذا الشاهد رحمه اللّه أنه قد شهد صورة الواحدية المنوطة بالتقييد لا صورة الأحدية المنوطة بالإطلاق ، فلما علم هذا الشاهد أن الأحدية مخفية في صورة الواحدية عبرّ عنها بهذه العبارة التي يظهر منها حقائق ما ينشأ عن الأحدية ، ولقد أنفذ إلى سؤال من رجل صالح موفق مؤيد ، وكان ذلك الفقير من أصحاب الشيخ العارف الفاضل قدوة السلف الشيخ سعد الدين الحموي رحمه اللّه قال هذا الفقير حاكيا عنه إنه قال : « إن اللّه تعالى خلق آدم على صورة الأحدية ، وخلق حواء على صورة الواحدية » .
وورد السؤال على لسان صاحبي وابن خالتي محمد بن محمد أثابه اللّه عن إحسانه خيرا ، فلما سمعت السؤال لحظت منه العكس ، وقلت له : بل يجب أن يكون آدم مخلوقا على صورة الواحدية ، وحواء على صورة الأحدية ، وهذا السؤال معكوسا ، فقال صاحبي :
كيف ذلك ؟ قلت : لأن آدم لما خلق كان اللّه تعالى قد ظهر بالتقييد ، ويعضد هذا قوله :
« إن اللّه خلق آدم على صورته
، أو
على صورة الرحمن »
. والصورة لا تكون إلا للمقيد ، والواحدية من أسماء التقييد ، والأحدية من أسماء الإطلاق ، فعندما خلق آدم كان قد ظهر بالصورة المقيدة ، فكانت صورة آدم هي انطباع تلك الصورة المقيدة التي هي للّه ، ولهذا كان مثالا لا مثلا إذا كان مقابلا مقابلة موازية ، حتى كان بين اللّه وبين العالم والمثال لا يقال إلا على منطبع في مرآة ، ليكون سجالا حقيقة له ، والأصل في هذا كله صفة التقييد ، والواحدية لا تقال إلا على شيء مقيد فقط ، بخلاف الأحدية ، فإنه يقال : مطلق ويقال أيضا على مطلق مقيد بشرط خفاء التقييد ، فعند خلق آدم كان التقييد ظاهرا ، والإطلاق خافيا بل معدوما ، فكان على صورة الواحدية ، وإنما خلقت حواء على صورة الأحدية ، لأن اللّه من حين خلق آدم اتصف تعالى بكلتا صفتي الإطلاق والتقييد ظاهرتين ، وخلقت حواء فرع آدم بعد خلقه ، وكان اللّه قد ظهر آن خلقها بصفة الأحدية في مقابلة التقييد لأجل اشتراك الاسمين في الأنوثة لأن الذات مؤنثة وحواء أنثى ، والأحدية اسم للذات في حال احتوائها على الصفتين المذكورتين اللتين هما الإطلاق والتقييد ، فمشاركة اسم التأنيث من الذات وحواء لمماثلة اللفظ ، وكونها على صورة الأحدية ، لأنها مخلوقة بعد الكمال « 1 » ، ومحال أن يقابل الأحدية صورة ، وإنما يقابلها معنى يشارك حقيقتها في اللفظ ،
هامش
( 1 ) الكمال : التنزيه عن الصفات وآثارها ، أي : عن كل ما يقيد ذات الحق ، وحقيقته فيخرجها عن إطلاقها ، صفة ، وتجردها عن الاعتبارات مطلق أبقاها على الإطلاق الذاتي ، والذي حكمه مع