وإذا ذقت هذا ذقت الغاية الّتي ليس فوقها غاية في حقّ المخلوق . فلا تطمع ولا تتعب نفسك في أن ترقى في أعلى من هذا الدّرج فما هو ثمّ أصلا ، وما بعده إلّا العدم المحض .
شرح
ذكر رضي اللّه عنه في الباب الثالث والستين منها أن الإنسان يدرك صورته في المرآة ويعلم قطعا أنه أدرك صورته بوجه وأنه ما أدرك صورته بوجه لما يراها في غاية الصغر لصغر جرم المرآة والكبر لعظمه ولا يقدر أن ينكر أنه رأى صورته يعلم أنه ليس في المرآة صورة ولا هي بينه وبين المرآة فليس بصادق ولا كاذب في قوله : أنه رأى صورته ما رأى صورته فما تلك الصورة وأين محلها وما شأنها فهي منفية ثابتة موجودة معدومة معلومة مجهولة أظهر اللّه سبحانه هذه للعبد ضرب مثال ليعلم ويتحقق أنه إذا عجز وحار في درك حقيقة هذا وهو من العالم ولم يحصل عنده علم بتحقيقه فهو بخالقها أعجز وأجهل وأشد حيرة . هذا ما نقله الشارحون من كلامه في هذا المقام ( وإذا ذقت ) ، أي أدركت بطريق الذوق والوجدان لا بمجرد العلم والعرفان ( هذا ) ، أي مقام التجلي الذاتي على صورتك ( ذقت ) في مراتب التجليات ( الغاية التي ليس فوقها غاية في حق المخلوق فلا تطمع ولا تتعب نفسك في أن ترقى في ) مقام ( أعلا من هذا الدرج ) من التجلي الذاتي في الصحاح رقيت في السلم بالكسر رقيا ورقيا إذا صعدت وفي الكشاف في قوله تعالى :أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ[ الإسراء : 93 ] ، يقال : رقي السلم وفي الدرجة فلا حاجة إلى تضمينها معنى الدخول ( فما هو ) ، أي أعلا من هذا الدرج ( ثم ) ، أي في مقام التجلي الذاتي ( أصلا وما بعده ) ، أي بعد هذا الدرج ( إلا العدم المحض ) فلا يوجد هناك مقام أعلا منه .
اعلم أن تعين الحق وتجليه لك في مرآة عينك إنما يكون بحسبها وبموجب خصوصيتها وصورة استعدادها فما ترى الحق في تجلية الذاتي لك إلا بصورة عينك الثابتة فلا ترى الحق فيك إلا بحسب خصوصية عينك الثابتة ولكن في مرآة الوجود الحق وهذا أعلى درجات التجليات بالنسبة إلى مثلك إلا أن تكون عينك عين الأعيان الثابتة كلها بالخصوصية لها توجب حصر الصورة في كيفية خاصة بل خصوصية أحدية جمعية برزخية كمالية فتعين الحق لك حينئذ مثل تعينه في نفسه ، ودون هذين الشهودين شهودك للحق في ملابس الصور الوجودية الحسية والمثالية والروحية ، وكل ذلك بحسب تجليه من عينك لا من غيرك فأعلى درجات شهودك للحق هو ما يكون بعد تحققك بعينك الثابتة فإذا اتحدت أنت بعينك الثابتة ، فكنت أنت عينك من غير امتياز رأيت الحق كما يرى نفسه فيك ورأيت نفسك صورة للحق في الحق وما ثم أعلا من هذا في حقك