من التّشريع ، فذلك لا يقدح في مقامه ولا يناقض ما ذهبنا إليه ، فإنّه من وجه يكون أنزل كما أنّه من وجه يكون أعلى . وقد ظهر في ظاهر شرعنا ما يؤيّد ما ذهبنا إليه في فضل عمر في أسارى بدر بالحكم فيهم ؛ وفي تأبير النّخل .
فما يلزم الكامل أن يكون له التّقدّم في كلّ شيء وفي كلّ مرتبة ، وإنّما نظر الرّجال إلى التّقدّم في رتب العلم باللّه : هنالك مطلبهم . وأمّا حوادث الأكوان فلا تعلّق لخواطرهم بها ، فتحقّق ما ذكرناه ، ولمّا مثّل النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم النّبوّة بالحائط من اللّبن ،
شرح
التشريع فذلك ) ، أي كونه تابعا بحسب نشأته العنصرية ( لا يقدح في مقامه ) الذي يقتضي المتبوعية بحسب حقيقته ( ولا يناقض ما ذهبنا إليه ) من أن المرسلين لا يرون هذا العلم إلا من مشكاة خاتم الأولياء ( فإنه من وجه ) وهو كونه وليا تابعا بحسب نشأته العنصرية ( يكون أنزل ) مرتبة من الرسول الخاتم من حيث رسالته ( كما أنه من وجه ) وهو كونه جهة باطنية الرسول الخاتم باعتبار حقيقته ( يكون أعلا ) مقاما منه بحسب نبوّته وظاهر شرعه ( وقد ظهر في ظاهر شرعه ما يؤيد ما ذهبنا إليه ) من أن الفاضل يجوز أن يكون مفضولا من وجه ( في فضل عمر ) على أبي بكر رضي اللّه عنهما ( في أسارى بدر بالحكم فيهم ) حيث رأى فيهم أبو بكر أن تؤخذ منهم الفدية ويطلقهم ورأى فيهم عمر ضرب الرقاب فأنزل اللّه الآية الكريمة موافقة لرأي عمر ( و ) قد ظهر في ( تأبير النخل ) أيضا حيث منع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عاما من تأبير النخل فما أبر فقال صلى اللّه عليه وسلم : أنتم أعلم بمصالح دنياكم « 1 » ( فما يلزم الكامل أن يكون له التقدّم ) على غير الكامل ( في كل شيء وفي كل مرتبة إنما نظر الرجال إلى التقدّم في مرتبة العلم باللّه ) سبحانه لا فيما عداه فإنه ( هنالك ) ، أي في مرتبة العلم باللّه يتحقق ( مطلبهم ) الذي به يعرف تقدّمهم وتأخرهم ( وأما حوادث الأكوان ) كتأبير النخل وأمثاله ( فلا تعلق لخواطرهم بها ) لذاتها بالنسبة إلى هممهم العالية فلو كانوا فيها أنزل درجة مما عداهم فلا يقدح ذلك في كمالهم ( فتحقق ما قلناه ) من علوم مرتبة خاتم الأنبياء في العلم باللّه بحسب حقيقته وأنه لا يقدح فيه نزول مرتبته عن الرسول الخاتم بحسب نشأته العنصرية حيث يكون تابعا له من حيث نبوّته فإن قيل : متبوعية خاتم الأولياء لخاتم الأنبياء في حقائق الولاية تقدّم في رتب العلم باللّه لا في العلم بحوادث الأكوان فكيف يصح ما ادعاه الشيخ رضي اللّه عنه من متبوعية خاتم الأولياء لخاتم الأنبياء فإن خاتم الأنبياء مقدّم الكل في رتب العلم باللّه قلنا : هي في الحقيقة عبارة عن متبوعية حقيقة ولايته المطلقة لولايته المشخصة بعد نشأته العنصرية وإن شئت تحقق ذلك
هامش
( 1 ) يشير إلى الحديث الذي رواه مسلم وغيره عن أنس بن مالك وهو : « أن النبي صلى اللّه عليه وسلم مرّ بقوم يلقحون فقال لو لم تفعلوا لصلح قال فخرج شيصا فمر بهم فقال ما لنخلكم ؟ قالوا : قلت كذا وكذا ، قال :
أنتم أعلم بأمر دنياكم » . ( صحيح مسلم حديث رقم ( 2363 ) .