تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 80

مساهمون:

ص٨٠
وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً
[ النساء : 1 ] . فقوله : اتّقوا ربّكم اجعلوا ما ظهر منكم وقاية لربّكم واجعلوا ما بطن منكم وهو ربّكم وقاية لكم فإنّ الأمر ذمّ وحمد فكونوا وقايته في الذمّ واجعلوه وقايتكم في الحمد تكونوا أدباء عالمين . ثمّ إنّه تعالى أطلعه على ما أودع فيه وجعل ذلك في قبضتيه : القبضة الواحدة فيها العالم ، وفي القبضة الأخرى آدم وبنوه وبيّن مراتبهم فيه .
شرح
يعني حواء (وَبَثَّ مِنْهُما) ، من آدم وزوجه بالتوالد والتناسل (رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً) ، ثم نبه رضي اللّه عنه على بعض معاني الآية بما لم يتنبه له أهل الظاهر فقال : ( فقوله :اتَّقُوا) ، أمر من الاتقاء بمعنى جعل الشيء وقاية لشيء والشيئان ههنا المخاطبون والرب تعالى فإن جعلت الشيء الأول المخاطبين والشيء الثاني : الرب لاحظت إضافة الوقاية إليه كان المعنى : اجعلوا أنفسكم وقاية ربكم ، وإن جعلت الشيء الأوّل الرب والشيء الثاني المخاطبين ، كان المعنى : اجعلوا ربكم وقاية أنفسكم . فلما كانت الآية تحتمل المعنيين جمعهما الشيخ رضي اللّه عنه كما هو رأيهم في الآيات القرآنية في الجمع بين جميع المعاني المحتملة التي لا يمنع من إرادتها الشرع والعقل ، فعلى هذا يكون معنى قوله :اتَّقُوا ( رَبَّكُمُ )الَّذِي خَلَقَكُمْ، [ النساء : 1 ] ، أي أوجدكم باختفائه بصوركم فأنتم ظاهره وهو باطنكم ( اجعلوا ما ظهر منكم ) ، وهو أحدية جمع روحكم وبدنكم ( وقاية ربكم ) ، أي آلة ووقاية كما في قوله تعالى :خُذُوا حِذْرَكُمْ[ النساء : 71 ] ، أي آلة حذركم ( واجعلوا ما بطن منكم وهو ربكم وقاية لكم فإن الأمر ) المنسوب إلى ربكم بوجه وإليكم بوجه من الصفات والأفعال ، إما ( ذم ) يذم به لم ينسب إليه ( و ) إما ( حمد ) يحمد به يتصف به وكل واحد منهما كما يقتضيه توحيد الصفات والأفعال مسندا إلى اللّه تعالى . لكن إسناد المذام إليه قبل زكاء النفس وطهارتها وقوع في الإباحة وبعدهما إساءة للأدب ( فكونوا وقايته ) عن نسبة النقص إليه ( في الذم ) بأن تنسبوه لكم لا إليه ( واجعلوه وقايتكم ) عن ظهور أنياتكم . ( في الحمد ) بأن تنسبوه إليه لا إليكم ( تكونوا أدباء ) حين تنسبون المذام إلى أنفسكم لا إليه ( عالمين ) بحقيقة الأمر على ما هو عليه حين تنسبون المحامد إليه تعالى فإن الأمور كلها مستندة إليه تعالى بالحقيقة ، وتحذرون مما يلحقكم بإسنادها إلى أنفسكم من ظهور أنياتكم ( ثم إنه تعالى أطلعه ) ، أي آدم ( على ما أودع فيه وجعل ذلك ) ، أي ما أدوع فيه من الحقائق الإلهية والكونية ( في قبضتيه سبحانه ) ، أي قبضتي الجمع والفرق السالمين للكل المشار إليهما الآفاق والأنفس ( القبضة الواحدة ) اليسرى التي هي قبضة الفرق ( فيها العالم وفي القبضة الأخرى ) اليمنى التي فيها الجمع ( آدم وبنوه ) ، أي أولاده
شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 80 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / عبد الرحمن جامي