فقد علمت حكمة نشأة جسد آدم أعني صورته الظاهرة .
وقد علمت نشأة روح أدم أعني صورته الباطنة ، فهو الحقّ الخلق .
وقد علمت نشأة رتبته وهي المجموع الّذي به استحقّ الخلافة .
فآدم هو النّفس الواحدة الّتي خلق منها هذا النّوع الإنساني .
وهو قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها
شرح
أيضا مفتقر إلى المستفيد لتظهر كمالاته فيكون المفيد مفتقرا والمستفيد مفتقرا إليه والمفتقر إليه أرفع شأنا كما عرفت ( فقد علمت حكمة نشأة آدم أعني ) بجسده ( صورته الظاهرة ) وهي أحدية جمع جميع الحقائق المظهرية الجسمانية والعنصرية والحكمة فيها أن تكون أنموذجا لحقيقة العالم في كونها مظهرا لأحكام الروح المدبر لها كما أن العالم مظهر لآثار الأسماء الإلهية المتصرفة فيه ( قد علمت نشأة روح آدم ) ، يعني حكمة نشأة روحه ( أعني ) بروحه ( صورته الباطنة ) التي هي أحدية جمع جميع الحقائق الروحانية العقلية والنفسية ، وحكمتها كونها أنموذجا وظلا للأسماء الإلهية باعتبار التصرف والتأثير فكما أن الأسماء الإلهية متصرفة في يده في العالم كذلك الروح مؤثر متصرف في يديه ( وقد علمت نشأة رتبته ) ، أي حكمة نشأة رتبته ( وهي ) ، أي نشأة رتبته هي ( المجموع ) ، أي مجموع صورتيه الظاهرة والباطنة ( الذي به استحق ) آدم ( الخلافة ) وتوصيف النشأة الرتبية باستحقاق الخلافة إشارة إلى حكمتها فإن الحكمة في الجمع بين صورتيه الظاهرة والباطنة أن يناسب بالجهة الباطنة المستخلف وبالجهة الظاهرة المستخلف عليهم فيستفيض بالجهة الأولى ويفيض بالأخرى فيتم أمر الخلافة ( فآدم ) أبو البشر ( هو النفس الواحدة التي خلق منها هذا النوع الإنساني ) ، أي خلق منها زوجها ومن ازدواجهما أولادهما ومن ازدواج أولاده أولاد أولاده إلى ما شاء اللّه ، فهو منشأ تكثير هذا النوع ، وهذا هو المراد بقوله : خلق منها هذا النوع بأدنى مسامحة ، فإنه قائم مقام قوله : خلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء . فالمراد بالنوع الإنساني أولاد آدم من هذا النوع .
واعلم أن لكل مرتبة آدم هو مبداها كالعقل الكل للمعقول والنفس الكل للنفوس ولكل آدم زوج بث من أزواجهما نتائج . وحمل بعض الشارحين آدم في هذا المقام على العقل الكل وبعضهم عن النفس الكل ، ولا يخفى على المستبصر أن كلام الشيخ رضي اللّه عنه فيما تقدم وفيما تأخر صريح في أن المراد بآدم ههنا هو أبو البشر أنه صريح في نقش الفصوص بأن المراد بآدم وجود النوع الإنساني ( وهو ) ، أي كون آدم هو النفس الواحدة المذكورة ما يدل عليه ( قوله تعالى :يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ) ، أي ذات واحدة يعني آدم (وَخَلَقَ مِنْها) ، أي من ضلعها الأيسر (زَوْجَها) ،