فكان صلى اللّه عليه وسلم أدلّ دليل على ربّه ، فإنّه أوتي جوامع الكلم الّتي هي مسمّيات أسماء آدم . فأشبه الدّليل في تثليثه . والدّليل دليل لنفسه .
ولمّا كانت حقيقته تعطي الفرديّة الأولى بما هو مثلّث النشأة لذلك قال في باب المحبة التي هي أصل الوجود : « حبّب إليّ من دنياكم ثلاث » بما فيه من التّثليث .
ثمّ ذكر النّساء والطّيب وجعلت قرّة عينه في الصّلاة .
فابتدأ بذكر النّساء وأخّر الصّلاة ، وذلك لأنّ المرأة جزء من الرّجل في أصل ظهور عينها .
شرح
الخمسة المتفرعة عنها بإضافة جزأين منها إلى نفسها والتسعة بضرب الثلاثة في نفسها وهكذا إلى ما لا نهاية لها ، وكذلك نبينا صلى اللّه عليه وسلم من حيث روحه وجسمه وحقيقته الكلية الجامعة لهما أول الأفراد الوجودية وسائر الأفراد متفرعة عنها إذ الكل أجزاء وتفاصيل له ( فكان عليه السلام ) مع فرديته الأولية التي هي الثلاثة ( أدل دليل على ربه ، فإنه أوتي جوامع الكلم التي هي ) أمهات الحقائق الإلهية والكونية الجامعة لجزئياتها كما هي ( مسميات أسماء آدم ) ، أي الأسماء التي علمها آدم ، أي أودعها في الحقيقة النوعية الإنسانية فهو أول دليل على ربه ، فإن كل دليل يكون غيره فهو جزء من أجزائه ( فأشبه ) صلى اللّه عليه وسلم ( الدليل في ) دلالته ( تثليثه ) أما دلالته وتثليثه صلى اللّه عليه وسلم فقد عرفتهما ، وأما الدليل فدلالته على مدلوله ، وأما تثليثه فباعتبار الأصغر والأكبر والحد الأوسط ، فهو صلى اللّه عليه وسلم فرد آخر فقوي فيه معنى الفردية ؛ فلذلك وصف حكمته بالفردية ، ولما شبه صلى اللّه عليه وسلم بالدليل فرّع على هذا التشبيه أمرا آخر فقال : ( والدليل ) ، أي دليل كان فإنما هو ( دليل لنفسه ) ، أي دلالته على مدلوله ذاتية لا يحتاج فيها إلى ما سواه ، وكذلك دلالته صلى اللّه عليه وسلم ذاتية لا احتياج له فيها إلى غيرها بخلاف سائر الموجودات ، فإنه لا يجيء منها شيء من غير استمداد منه ، ثم فرع رضي اللّه عنه على فرديته صلى اللّه عليه وسلم أمرا آخر فقال : ( ولما كانت حقيقته تعطي الفردية الأولى بما هو مثلث النشء ) ، أي بسبب أن نشأته بحسب روحه وجسمه وحقيقته الجامعة ثلاث ( ولذلك قال في باب المحبة التي هي أصل الوجود حبب إليّ من دنياكم ثلاث بما فيه من التثليث ) ، وتبرأ أي من ذلك ، ومحبة هذه الأمور الثلاثة إنما انتشأت من نشأته الثلاث لكن وجهه خاف علينا ( ثم ذكر ) صلى اللّه عليه وسلم في معرض بيان هذه الأمور الثلاثة : ( النساء والطيب وجعلت قرة عينه في الصلاة « 1 » فابتدأ بذكر النساء وأخر الصلاة وذلك لأن المرأة جزء من الرجل في أصل ظهور عينها ) ومعرفة الجزء الذي هو المرأة مقدمة على معرفة
هامش
( 1 ) رواه الحاكم في المستدرك ، كتاب النكاح ، حديث رقم ( 2676 ) ولفظه : عن أنس رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « حبب إلي النساء والطيب ، وجعلت قرّة عيني في الصلاة » ، والنسائي في المجتبى ، باب حب النساء ، حديث رقم ( 3939 ) [ ج 7 ص 61 ] ورواه غيرهما .