تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 482

مساهمون:

ص٤٨٢
وأمرضها ، فللجنين المنّة على أمّه بكونه تغذّى بذلك الدّم فوقاها بنفسه من الضّرر الّذي كانت تجده لو امتسك هذا الدّم عندها ولا يخرج ولا يتغذّى به جنينها والمرضعة ليست كذلك . فإنّها قصدت برضاعته حياته وإبقاءه . فجعل اللّه تعالى ذلك لموسى في أمّ ولادته ، فلم يكن لامرأة عليه فضل إلّا لأمّ ولادته لتقرّ عينها أيضا بتربيته وتشاهد انتشاءه في حجرها ،
وَلا تَحْزَنَ
[ طه : 40 ] . ونجّاه اللّه تعالى من غمّ التّابوت ، فخرق ظلمة الطّبيعة بما أعطاه اللّه من العلم الإلهيّ وإن لم يخرج عنها . وفتنه فتونا أي اختبره في مواطن كثيرة ليتحقّق في نفسه صبره على ما ابتلاه اللّه به . فأوّل ما ابتلاه اللّه قتله القبطيّ بما ألهمه اللّه ووفّقه له في سرّه وإن لم يعلم بذلك ، ولكن لم يجد في نفسه اكتراثا بقتله مع كونه ما توقّف حتّى يأتيه أمر ربّه بذلك ، لأنّ النّبيّ معصوم الباطن من حيث لا يشعر حتّى ينبّأ أي يخبر بذلك .
شرح
ذلك الدم لأهلكها ولأمرضها وللجنين المنة على أمه بكونه تغذى بذلك الدم فوقاها بنفسه من الضرر الذي كانت تجده لو امتسك ذلك الدم عندها ولا يخرج ولا يتغذى به جنينها والمرضعة ليست كذلك فإنها قصدت بإرضاعه حياته وإبقاءه فجعل اللّه ذلك لموسى في أم ولادته فلم يكن لامرأة عليه فضل إلا لأم ولادته لتقرّ عينها بتربيته وتشاهد انتشاءه في حجرها ولا تحزن ونجاه اللّه من غم التابوت ) . غم التابوت إشارة إلى ظلمة الطبيعة والنجاة منها إنما يكون بالعلم ؛ ولذلك قال : ( فحرق ظلمة الطبيعة بما أعطاه اللّه من العلم الإلهي وإن لم يخرج منها ) ، فالخلاص منها بالكلية لا يتيسر في هذه النشأة ( وفتنه فتونا ) ، إشارة إلى قوله : وفتناه والتلاوة وفتناك فتونا ، ( أي اختبره في مواطن كثيرة ليتحقق في نفسه صبره على ما ابتلاه اللّه . فأول ما ابتلاه اللّه به قتله القبطي بما ألهمه اللّه ووفقه له في سره ) متعلق بالهمة ( وإن لم يعلم بذلك ) الإلهام والتوفيق . ( ولكن ) كان فيه علامة على ذلك وهو أنه ( لم يجد في نفسه اكتراثا ) يعني مبالاة ( بقتله مع كونه ما توقف حتى يأتيه أمر ربه بذلك ) الفعل يعني القتل كما هو مقتضى منصب النبوة فعدم مبالاته بقتله مع عدم انتظاره الوحي علامة كونه ملهما به في السرور وألا ينبغي أن تعتريه وحشة عظيمة من ذلك الفعل وإنما قلنا : إنه عليه السلام كان ملهما في قتل القبطي ( لأن النبي معصوم الباطن ) ، أي باطنه معصوم عن أن يميل إلى أمر لم يكن مأمورا به من عند ربه ( وإن كان في السر من حيث لا يشعر حتى ينبأ أي يخبر بذلك ) ، أي بأن ذلك الأمر مأمور به في السر .
شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 482 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / عبد الرحمن جامي