وَمِنْهاجاً
[ المائدة : 5 ] . أي من تلك الطّريقة جاء . فكان هذا القول إشارة إلى الأصل الّذي منه جاء .
فهو غذاؤه كما أنّ فرع الشّجرة لا يتغذّى إلّا من أصله .
فما كان حراما في شرع يكون حلالا في شرع آخر يعني في الصّورة : أعني قولي يكون حلالا ، وفي نفس الأمر ما هو عين ما مضى ، لأنّ الأمر خلق جديد ولا تكرار . فلهذا نبّهناك .
فكنّى عن هذا في حقّ موسى بتحريم المراضع .
فأمّه على الحقيقة من أرضعته لا من ولدته ، فإنّ أمّ الولادة حملته على جهة الأمانة فتكوّن فيها وتغذّى بدم طمثها من غير إرادة لها في ذلك حتى لا يكون لها عليه امتنان ، فإنّه ما تغذّى إلّا بما لو لم يتغذّ به ولم يخرج عنها ذلك الدّم لأهلكها .
شرح
طريقة ( ومنهاجا ) فسر الشريعة بالطريق والمنهاج أيضا هو الطريق ، لكن عند الوقف يصير منهاجا فتشبه الكلمتين إحداهما منها والأخرى جاء فيمكن أن يفهم من يفهم لسان الإشارة المعنى الذي ذكره ، وفهم هذا المعنى لا يتوقف على قراءة بعض القراء جاء بالمد ، ولهذا قال : ( أي من تلك الطريقة جاء فكان هذا القول إشارة إلى الأصل الذي منه جاء ) ، إلى هذا العالم وليس إلا الحق ( فهو ) ، أي الأصل الذي منه جاء هو ( غذاؤه ) ، أي ما يتغذى منه ( كما أن فرع الشجرة لا يتغذى إلا من أصله ) ولما أشار إلى أن شريعته نسخة الشرائع الأخر وذلك النسخ لا يكون إلا بتحليل ما كان حراما يكون بعينه حلالا .
أشار إليه بقوله : ( فما كان حراما في شرع يكون حلالا في شرع آخر ) ، وبالعكس ( يعني في الصورة أعني قولي يكون حلالا ) ، يعني حكم أن ما كان حراما يكون بعينه حلالا إنما هو في الصورة ، ( ولكن في نفس الأمر ما هو ) أي ليس الذي هو حلال آخر ( عين ما مضى ) وكان حراما ( لأن الأمر ) ، أي أمر الوجود ( خلق جديد ولا تكرار ) في المتجلي الوجودي مع الآنات فكيف مع الدهور والأعوام فليس أحدهما عين الآخر بل مثله ( ولهذا ) ، أي لأن الأمر خلق جديد ( نبهناك ) على أن الاتحاد بينهما إنما هو بحسب الصورة لا بحسب نفس الأمر ( فكنى ) اللّه سبحانه ( عن هذا ) ، أي عن عدم تغذيته إلا من أصله ( في حق موسى بتحريم المراضع فأمه على الحقيقة من أرضعته ) وإن لم تك لا من ولدته ولم ترضعه وهذا بحسب الفرض والتقدير ، لأن ما أرضعته إلا أم ولادته وإنما قلنا أم الولد من أرضعته ( لا من ولدته فإن أم الولادة حملته على جهة الأمانة فتكوّن فيها وتغذى بدم طمثها من غير إرادة لها في ذلك حتى لا يكون لها عليه امتنان فإنه ما تغذى إلا بما أنه لو لم يتغذ به ولم يخرج عنها