أكون مترجما لا متحكما ، ليتحقق من يقف عليه من أهل اللّه أصحاب القلوب أنه من مقام التقديس المنزّه عن الأغراض النفسية التي يدخلها التلبيس . وأرجو أن يكون الحق لمّا سمع دعائي قد أجاب ندائي ؛ فما ألقي إلا ما يلقي إليّ ، ولا أنزل في هذا المسطور إلّا ما ينزّل به عليّ . ولست بنبيّ رسول ولكنّي وارث ولآخرتي حارث :
شرح
النفس الكلية نسبه إليه ، أي : في القلب الذي هو في النسخة الإنسانية بمنزلة النفس الكلية في نسخة العالم ، فتصير العلوم المجملة الفائضة من الروح مفصلة فيه ( بالتأييد الاعتصامي ) الياء متعلق بالإلقاء والنفث ، أي يكون ذلك الإلقاء والنفث بتأييد اللّه سبحانه المسبب عن الاعتصام والالتجاء به . قال تعالى :وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ[ آل عمران : 101 ] ، والهداية إلى الصراط المستقيم نوع من التأييد ( حتى أكون مترجما ) غاية لقوله : سألت ، أي سألت اللّه ما سألت حتى أكون مترجما عما حده لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأراد اللّه سبحانه إظهاره على لساني ( لا متحكما ) بالتصرف النفساني فيه بالزيادة والنقصان ( ليتحقق ) ، أي يعلم حقيقة ( من يقف عليه من أهل اللّه ) الذين هم مشرب الكمال الأحدي الجمعي الإلهي لا المتقيدين بالمشارب والأذواق الجزئية التقييدية الأسمائية ( أصحاب القلوب ) التي تتقلب مع الحق سبحانه حيث تجلى ، ووسعته فما أنكرته ولا أعرضت عنه في تنوعات ظهوره بشؤونه ( أنه ) ، أي هذا الكتاب من حيث معانيه وأسراره بل من حيث ألفاظه وعباراته أيضا ( من مقام التقديس المنزه عن الأغراض النفسية التي يدخلها التلبيس ) ، فإن الأغراض تارة تلبس الحق صورة الباطل فتعرض النفس عنه وتزيفه ، وتارة تلبس الباطل صورة الحق فتقبل عليه وتروّجه ( وأرجو أن يكون الحق لما سمع دعائي قد أجاب ندائي ) لسان أدب مع اللّه تعالى فإن الكمل المطلعين على أعيانهم الثابتة واستعداداتها لا يطلبون من اللّه سبحانه إلا ما تقتضيه أعيانهم واستعدادتها فهم متيقنون بإجابة دعائهم . وفي إضافة السمع إلى الدعاء والإجابة إلى النداء قد يقع لبعض الناس أن العكس أنسب لأن المقصود من النداء الإسماع ومن الدعاء الإجابة ، فكأنه رضي اللّه عنه لاحظ قوله تعالى :إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ[ إبراهيم :
39 ] . ولما تيقن الإجابة من اللّه تعالى قال : ( فما ألقي ) إليكم ( إلا ما يلقى إليّ ) كما تضمنه هذا الكتاب من أسرار الأنبياء عليهم السلام والحكم الخصيصة بهم والملقي إليّ هو اللّه سبحانه وتعالى من الحضرة المحمدية الحتمية الكمالية الإلهية ( ولا أنزل في هذا المسطور إلا ما ينزل ) به ( عليّ ) والمنزل أيضا هو اللّه سبحانه من تلك الحضرة . ولما علم رضي اللّه عنه سبق أوهام المحجوبين من هذا الكلام إلى ادعائه النبوّة والرسالة قال :
( ولست بنبي ولا رسول ) لأن النبوّة التشريعية والرسالة قد انقطعتا ( ولكني وارث ) لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في العلوم الإلهية والأحوال الربانية والمقامات والمكاشفات والتجليات