تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣
وإن اختلفت النحل والملل لاختلاف الأمم . وصلى اللّه على ممدّ الهمم ، من خزائن
شرح
وجودية بخلاف الاعتبار الأوّل ( بأحديّة الطريق الأمم ) الأمم بالفتحتين المتوسط بين القريب والبعيد . قال ابن السكيت : الأمم بين القريب والبعيد والمراد بالطريق : إما طريق التوحيد الذي عليه جميع الأنبياء ومتابعيهم المشار إليه بقوله :وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ[ الأنعام : 153 ] . وتوصيفه بالأمم باعتباراته متوسط بين قرب التنزيه وبعد التشبيه . وأما الجمعية الكمالية الإنسانية بين حقائق الروح الذي له القرب وبين حقائق الجسم الذي له البعد فإنها كالطريق لنزول الحكم من حضرة الأحدية الكمالية الإلهية على القلوب ، والمراد بأحدية الطريق إما وحدته النوعية التي تتحد فيها أفراده ، وإما أحدية جمعه للمتقابلات ، والباء إما للملابسة على أن يكون الجار والمجرور صفة لمصدر محذوف ، أي تنزيلا ملتبسا بأحدية الطريق ، أو حالا من الحكم أو القلوب أو الكلم ولا يخفى وجه صحة كل منها لفظا ومعنى . وإما للسببية متعلق بالتنزيل فإنه مسبب عن سلوك طريق التوحيد وعن اتصاف القلب بالجمعية الكمالية الإنسانية أيضا ، وإما متعلق به على ما يقتضيه معنى الإخبار ، أي اللّه سبحانه وتعالى ينزل الحكم مخبرا بأحدية الطريق . وأما الظرفية كما في قولهم : حججت بطريق الكوفة ، فإن كلّا من طريق التوحيد والجمعية الإنسانية طريق التنزيل ومحله ( من المقام الأقدم ) من ابتدائية ، أي هذا التنزيل مبتدأ من مقام هو أقدم من أن يكون قدمه مقابلا للحدوث ، والمراد به مرتبة الأحدية الذاتية التي هي منبع لفيضان الأعيان واستعدادتها في الحضرة العلمية أوّلا ، ووجودها وكمالاتها في الحضرة العينية بحسب عوالمها وأطوارها الروحانية والجسمانية ثانيا ، وإنما كانت أقدم ، لأن المراتب الإلهية وإن كانت كلها في الوجود سواء لكن العقل يحكم بتقدم بعضها على بعض كالحياة على العلم والعلم على الإرادة والإرادة على القدرة وأقدمها الأحدية الذاتية ( وإن اختلفت الملل ) أي الأديان المتعددة بتعدد أصحاب الشرائع ( والنحل ) أي المذاهب المتشعبة من كل دين بتعدد المجتهدين . وقوله : ( لاختلاف الأمم ) علة لاختلاف الأمم علة لاختلاف الملل والنحل أي هذا الاختلاف إنما وقع لاختلاف واقع بين الأمم في أمزجتهم وأحوالهم ومراتبهم وعرفهم وعاداتهم ومأخذ نظرهم ومعتقداتهم ، فاختلفت بشرائعهم ومذاهبهم في تلك الشرائع بسبب ذلك الاختلاف وذلك لا يقدح في وحدة أصل طرقهم وهو الدعوة إلى اللّه والدين الحق ( وصلى اللّه ) ، أي أفاض رحمته بالتجليات الذاتية والأسمائية والصفاتية ( على ممد الهمم ) القابلة للترقي في مراتب الكمال وذلك الإمداد إنما يكون بتبيين المقام