شرح
على سبيل التدريج ، وذلك إما باعتبار أن الحكم النازلة على قلب كل نبي إنما نزلت بحسب مصالح أمته مدة بقائه فيهم ، وإما باعتبار أن بعض الحكم يعد القلب لفيضان بعض آخر فبعضها يتقدم وبعضها يتأخر ، وإما باعتبار أن نزولها إما على طريق سلسلة الترتيب التي أوّلها العقل الأوّل والتدريج فيه ظاهر وإما على طريق الوجه الخاص ، والتدريج فيه باعتبار أن النازل ينزل على الروح أوّلا بحسب الإجمال ثم على القلب ثانيا بالتفصيل ، والحكم الشرائع المشتملة على العلوم والمعارف التي هي الحكمة العلمية ، وعلى الأخلاق المرضية والأعمال الصالحة التي هي الحكمة العملية ( على قلوب الكلم ) . القلب حقيقة جامعة بين الحقائق الجسمانية والقوى المزاجية وبين الحقائق الروحانية والخصائص النفسانية .
والتجلي الخصيص بحقائق الجوهر الروحاني والنفساني مجلى متعين من حضرة القدس والنزاهة والوحدة والعلو والفعل والشرف والحياة والنورية ، والتجلي المخصوص بالجسم متعين بأضداد ما للروح والنفس . وذلك لتعين التجلي في كل قابل بحسبه . فلما ظهرت الحقيقة القلبية بأحدية الجمع استعدت لقبول محل إلهي وفيض جمعي كمالي إحاطي لا يمكن تعينه في كل واحد من الجوهرين ، ولا في حقائق كل من الطرفين على الانفراد . وهذا الفيض المخصوص بالقلب إنما يكون تعينه من الحضرة الإلهية الكمالية الجمعية ، وإذا تحققت ذلك فاعلم أن إنزال الحكم من الحضرة الأحدية الجمعية الإلهية إنما تكون على قلوب الأحدية الجمعية الكمالية الإنسانية بين حقائق الروح والنفس والجسم لا على الروح والنفس فقط ، أو على القوى الجسمانية وحدها فلذلك خصّ القلوب بالذكر . والمراد بالكلم التي هي جمع كلمة أعيان الأنبياء عليهم السلام ولذلك أضاف القلوب إليها . قال الشيخ الكبير صدر الدين القونوي رضي اللّه عنه في كتاب « النفحات » أن الصورة معلومية كل شيء في عرصة العلم الإلهي الأزلي مرتبة الحرفية ، فإذا صبغه الحق بنوره الوجودي الذاتي وذلك بحركة معقولة معنوية يقتضيها شأن من الشؤون الإلهية المعبر عنه بالكتابة . تسمى تلك الصورة أعني صورة معلومية الشيء المراد تكوينه كلمة وبهذا الاعتبار سمى الحق سبحانه الموجودات كلمات ، ونبه على ذلك في غير موضع من كتابه العزيز فسمى عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام كلمة ، وقال أيضا :لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ[ يونس : 64 ] . وقال في حق أرواح عباده :إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ[ فاطر : 10 ] ، أي الأرواح الطاهرة . فإذا فهمت هذا عرفت أن شيئية الأشياء من حيث صرافتها شيئية ثبوتية في عرصة العلم ومقام الاستهلاك في الحق سبحانه وأنها بعينها في عرصة الوجود العيني باعتبار انبساط نور وجود الحق عليها وعلى لوازمها وإظهارها لها لا له سبحانه هي كلمة وجودية ، فلها بهذا الاعتبار الثاني شيئية