تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الجامي على فصوص الحكم — صفحة 409

مساهمون:

ص٤٠٩
فزال الغضب لزوال الآلام ، إذ عين الألم عين الغضب إن فهمت . فمن غضب فقد تأذّى ، فلا يسعى في انتقام المغضوب عليه بإيلامه إلّا ليجد الغاضب الرّاحة بذلك ، فينتقل الألم الّذي كان عنده إلى المغضوب عليه . والحقّ إذا أفردته عن العالم يتعالى علوا كبيرا عن هذه الصّفة على هذا الحدّ . وإذا كان الحقّ هويّة العالم ، فما ظهرت الأحكام كلّها إلّا منه وفيه . وهو قوله تعالى :
وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ
حقيقة وكشفا
فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ
[ هود : 123 ] حجابا وسترا . فليس في الإمكان أبدع من هذا العالم لأنّه على صورة الرّحمن . أوجده اللّه أي ظهر وجوده تعالى بظهور العالم كما ظهر الإنسان بوجود
شرح
( فذلك رضا ) اللّه عنهم لأنه زال تألمهم بها ( فزال الغضب لزوال الآلام إذ عين الألم عين الغضب ) ، أي عين ألم العبد عين غضب الحق إذ ليس عنده تعالى في مرتبة الجمعية شيء من الآلام حتى يكون زوال الغضب بزواله كما يكون عند العبد من التأذي من المغضوب عليه ، فلا يحكم بزوال غضب الرب إلا بزوال ألم العبد ، فعين الألم عين الغضب ( إن فهمت ) المقصود من هذه العينية . ثم شرع في بيان ما يضاف إلى الحق من الغضب باعتبار مقامي جمعه وتفصيله فقال ( فمن غضب ) من الخلائق ( فقد تأذى ) من المغضوب عليه ( فلا يسعى في انتقام المغضوب عليه بإيلامه إلا ليجد الغاضب الراحة بذلك فينتقل الألم الذي كان عنده إلى المغضوب عليه . والحق إذا أفردته عن العالم ) ، باعتبار غناه الذاتي عن العالمين ( تعالى ) علوا كبيرا عن هذه الصفة يعني الغضب ( على هذا الحد ) الذي تعارفه الخلق من أنفسهم فقوله : على هذا الحد لا بد منه وهو موجود في متن النسخة التي قوبلت بحضور الشيخ رضي اللّه عنه مع الأصل ، فيسقط ما قاله بعض الشارحين من أن الكلام بدونه تمام ، والظاهر أنه كان من الحاشية فوقع في المتن ( وإذا كان الحق هوية العالم فما ظهرت الأحكام كلها إلا فيه ) ، باعتبار أنه محل لظهورها ( ومنه ) باعتبار أنه مبدأ لها فلا عليك إذا أسندتها إليه تعالى ( و ) ما يدل على ما ذكرناه من عدم ظهور الأحكام إلا فيه ومنه ( هو قوله :وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ) ، أي أمر الوجود ذاتا وصفة وفعلا ( كله حقيقة وكشفا ) ولا تمتنع من عبودته بانكشاف هذه الحقيقة عليك ( فاعبده وتوكل عليه حجابا وسترا ) ، أي من حيث أن حجاب العبودية بينك وبينه مسدول ، وهو به عنك مستور . وإذا كان هويته تعالى هوية العالم وترجع جميع أمور العالم إليه ( فليس في الإمكان أبدع من هذا العالم ، لأنه ) تفصيل ما تجمعه الحقيقة الإنسانية وهي مخلوقة ( على صورة الرحمن أوجده اللّه تعالى ، أي أظهر وجوده تعالى بظهور العالم كما